لقد أضحى من المؤكد أن زمن السينما المصرية الأول قد ولى بلا رجعة. انتهى زمن السطحية و البساطة و ما يشبه الهواية في التمثيل و إدارة الممثلين. انتهى أيضا زمن انتقاء المشخصين الرئيسيين اعتمادا أساسا على درجة وسامتهم، و لم يعد هناك مكان للمصادفات العجيبة و العصية على الاستيعاب و لا مكان للتهريج الساذج و المواضيع الاجتماعية المبتذلة و المواقف المدرة للدموع و الشجارات بالمقاهي و النهايات السعيدة المضمونة و الخواتيم المأساوية العشوائية ... كما انتهت أيضا حقبة حبك السيناريوهات على أساس مضمون أغان بعينها كما حصل في أفلام فريد الأطرش و عبد الحليم حافظ و غيرهما. حتى قصص الحب لم يعد الاشتغال عليها يتم بالطرق التقليدية البائدة بحكم التطور الذي شهدته تقنيات الاتصال و التواصل و بحكم التحولات التي عرفها المجتمع. و من يشاهد فيلم "أبي فوق الشجرة" مثلا ثم يقارنه ب "السفارة في العمارة"، و من يتابع فيلم "بائعة الخبز" ثم يقيم مقارنة بينه و بين "مرجان أحمد مرجان"، و من يتابع أحداث "الأستاذة فاطمة" ثم ينكب على تحديد أوجه الاختلاف بينه و بين "الراقصة و السياسي" سيلاحظ لا محالة البون الشاسع الذي يفصل أعمال الأمس البعيد عن أعمال اليوم و الأمس القريب مع رصد استمرار خاصية واحدة مشتركة ألا و هي استمرار الاعتماد على الرسائل المباشرة و كأن جمهور الفن السابع بالعالم الناطق بالعربية لم يبلغ بعد تلك الدرجة من النضج التي تؤهله لاستنتاج المقصود دون مساعدة.
السينما المصرية ـ شأنها في ذلك شأن السينما العالمية ـ وجدت نفسها مضطرة تحت ضغط المستجدات الميدانية و النظرية و ارتفاع منسوب الوعي في صفوف المتلقين إلى الارتقاء بمضمونها و تقنياتها و أدواتها، و هذا أمر يندرج ضمن سنن الحياة بما أنه ليس لأحد القدرة على مقاومة التطور (حتى مجال الزراعة أصبحت شؤونه تدار بالحواسيب و الذكاء الاصطناعي). و التأهيل المعني هنا ليس هو ذلك الذي يستهدف الاستجابة لشروط التنافس الدولي. فالمصنفات الفنية بصفة عامة غالبا ما تكون موجهة أساسا للجمهور المحلي.
نعم، لقد تغيرت صناعة الأفلام بدولة مصر بشكل جذري و على كل الأصعدة. هناك اليوم مواصفات راقية، و مواضيع جديدة و مبتكرة، و رؤى إخراجية في غاية التميز، و تشخيص على مستوى عال من الدقة، و استعمال معقلن و متحكم فيه للتقنيات المعاصرة إن على مستوى التصوير أو على مستوى ما بعد التصوير.
و هكذا، فقد شهدت العقود الأخيرة ميلاد أفلام شكلت قطيعة حقيقية مع الإنتاجات السابقة ( التي مازالت و ستبقى جزءا لا يتجزأ من الرصيد السينمائي المصري مع إمكانية الاستمتاع بها من جديد في أي وقت) و وضعتنا أمام واقع إبداعي جديد تجاوز من خلاله كتاب السيناريو و المخرجون الثيمات التقليدية و الصور النمطية دون التضحية بمرجعية المجتمع المصري و العربي عموما و التي تظل واحدة و موحدة رغم التنافر المسجل على مستوى بعض الجزئيات.
ما هي يا ترى مناسبة سرد هذه المعطيات البديهية ؟
على الرغم من تطور الحياة و توالي الأجيال فقد ظل اهتمامي ـ و لسنين طويلة ـ منصبا فقط على الأعمال السينمائية المصرية الأولى و النجوم الأوائل، إذ رفضت رفضا قاطعا الانفتاح على إبداعات و نجوم الألفية الثالثة و تعمدت دائما غض الطرف عن أي إنتاج لا يضم الجينيريك الخاص به أي إسم من الأسماء القديمة المعروفة و ذلك ظنا مني بأن هناك زمنا سينمائيا مصريا جميلا واحدا لا غير و بأن إنجاب الكبار توقف تماما و بأن إنتاج الأفكار الكبيرة كان حكرا على حسن الإمام و صلاح أبو سيف و يوسف شاهين و مجايليهم فقط.
لكن، كم كانت دهشتي كبيرة في الآونة الأخيرة عندما انتبهت إلى فداحة خطئي و فظاعة موقفي. فقد وجدتني عن طريق الصدفة أتابع فيلما ينتمي إلى الموجة الجديدة. الحديث هنا عن شريط "طباخ الريس" الذي عرض أول مرة في العام 2008 و الذي يحمل توقيع المخرج سعيد حامد و السيناريست يوسف معاطي و النجم المخضرم خالد زكي (الذي لعب دور الرئيس) و الممثل المقتدر و المتميز طلعت زكريا (الذي تقمص دور الطباخ متولي) إضافة إلى ثلة من الممثلين الظرفاء و "الخبثاء".
تدور أحداث الفيلم داخل القصر الرئاسي أساسا، و من غير المستبعد أن تكون هناك أصوات اعتبرت إقحام كاميرات التصوير السينمائي بهذا الصرح نوعا من التطاول على مؤسسة الرئيس حتى و إن كان هناك ما يثبت سمو فكرة المشروع. إن توظيف القصر لم يكن لغاية النبش في خصوصيات أهله أو بهدف سرد قصة أو مغامرة رومانسية جرت أطوارها بين أسواره كما حدث في أعمال سابقة كثيرة. القصر في هذا العمل الإبداعي ما هو في واقع الأمر سوى نقطة التقاء و فضاء لحوار جمع ـ و على نحو يومي ـ قمة السلطة بأحد ممثلي القواعد الشعبية.
و من نافلة القول أن الطبخ لا يشكل الموضوع الرئيسي في الفيلم. فكل ما يخرج من مطبخ القصر ما هو إلا جزئية لا تقدم و لا تؤخر. مبدع الطهي بالأحرى هو محرك الفيلم الأول و هو أيضا بؤرة اهتمام الرئيس الذي عرف كيف يوظفه ليس فقط لإشباع جوعه و ملء معدته كباقي الكائنات الحية بل و لاستعماله كذلك كمرآة ظل يرى من خلالها ما هو حاصل بالمجتمع و بدواليب الدولة. و بفضل متولي ـ و ليس بفضل رجال جهاز الاستخبارات الرسمي ـ وجد الرئيس نفسه يتفرج على اختلالات ليست من صنعه و لم يكن يتصور وجودها. آنذاك تأكد بأن اليد الواحدة لا تصفق و بأن صدق نوايا القائد لا يمكن أن يخلق وحده المعجزات إن غاب صدق نوايا مساعديه من وزراء و غيرهم.
حاشية الرئيس لعبت هي الأخرى دورا محوريا في نسج خيوط القصة. و قد أدرك المشاهد من خلال طريقة عمل هذه الحاشية بأن القصر الرئاسي ليس فضاء للفوضى. فكل خطوة فيه بحساب (بما في ذلك حساب المدة الفاصلة و الواجبة بين وضع الصحون على مائدة الأكل و الانسحاب)، و كل شيء فيه بميزان (بما في ذلك وزن ملح طعام الرئيس)، و كل تواجد بشري فيه يكون بتبرير مقبول و يخضع لتفتيش دقيق.أما ألاعيبها و مكائدها و مناوراتها و التي لم تتوقف من بداية الشريط إلى نهايته فقد أدرجتها ضمن أفضل الأساليب المشروعة الممكن اعتمادها لضمان سلامة الرئيس باعتباره رأس الدولة و ضامن استقرارها. لم تكن لها يد في اختيار طباخ القصر لكن كانت لها ألف يد في ارتباكه و معاناته، و كانت لا تكف عن انتقاده و نهره و مراقبة حركاته و سكناته ما جعله يستنتج على الدوام بأنه بصدد مزاولة عمل غير عاد و بأن النزاهة و المروءة و الاستقامة و الطيبة و الوفاء قيم لا تعفي حاملها من مواجهة المتاعب. و رغم كل الإهانات و المضايقات لم يفكر صاحبنا أبدا في التخلي عن وظيفته، بل أصر على المضي قدما في خدمة رئيس البلاد من فرط احترامه و حبه له و أخذا أيضا في الاعتبار الامتيازات التي وفرها له تقربه منه و التي كانت سببا في تجاوزه لمشاكله الاجتماعية العويصة.
إن ذنب الطباخ الوحيد أنه دأب طوال مدة اشتغاله بالقصر الرئاسي على إطلاع الرئيس على نبض الشارع بكل عفوية. الأكثر من ذلك أن الطباخ لم يكتف بالحكي بل قرب الرئيس من واقع الناس بأن جعله يختلط برفقته بأفراد من الطبقة الشعبية بمعاقلهم. بهذه الكيفية ازداد وعي الرئيس بخصوصيات شعبه و بحجم معاناته الاقتصادية و مشاكله المعيشية.
هذا الأمر، و الذي لم تكن وراءه أية نية في فضح ما تشهده البلاد من اختلالات، اعتبرته الحاشية جريمة لا تغتفر فكان التخطيط لإعادته إلى الشارع الذي أتى منه أول مرة. و هكذا تم طرد بطل الفيلم من دائرة الرئيس الضيقة دون موافاته بأي تبرير أو تفسير و ذلك بعدما تخلف عن استيعاب شروط الاستمرار في العمل كما حددها أقرب المقربين من الرئيس، و بعدما تخلف في وقت مبكر عن اكتشاف ما كان يحاك ضده. أما الرئيس فقد اقتنع بخطورة مضمون التقرير الطبي الملفق ـ و الذي على أساسه تمت إقالة الطباخ ـ و اعتبر طي صفحته و استبداله بطباخ آخر إجراء تقنيا عاديا.
قد تبدو قسوة الحاشية مجانية، و قد يخيل لمن يقترب منها بأن أفرادها مجردون من حس الدعابة و لا ميل لديهم للكوميديا و رواية النكات، إلا أن العارف بخبايا دوائر الحكم يعلم جيدا بأن أفرادها إنما يقومون بالمهام التي يرونها ضرورية بما في ذلك تجميل واقع البلاد في عيني الرئيس، و هم دائما يبررون ما يعتبره البعض فظاظة أو تجاوزات أو أكاذيب ب "الدواعي الأمنية"، و هو مبرر تكرر ذكره في الشريط. فهم يعتبرون أنفسهم آخر خط دفاع غير مسلح في سلسلة خطوط الدفاع المسلحة و غير المسلحة التي تروم حماية جسد رأس الدولة و طمأنينته و صفاء ذهنه، و أي تهاون من جانبهم قد يتسبب في إزعاج الرئيس و غضبه، بل و قد يخلق ثغرات أمنية قاتلة أيضا .
في نهاية المطاف، انتصرت الواقعية، و بدلا من أن يسقط الفاسدون سقط الطباخ ... دون أي أمل في التغيير.
لابد من الإشارة في الأخير إلى أن التفاعل المسجل بين شخوص الفيلم أبان عن احترافية كبيرة في مجال الكتابة السينمائية. فقيمة الحوار و دقة اللغة المستعملة لا تحتاجان إلى دليل، و المرور من المشاهد الكوميدية الهادفة إلى المواقف الجادة و بالعكس تم بسلاسة فائقة، كما أن هندسة الشريط انطوت على درجة عالية من الإبداع و الذكاء و الجرأة بدءا من الصدفة التي مهدت للتعارف بين الرجلين و تقاربهما و انتهاء بملابسات طرد الطباخ و خروجه من جنة الرئيس المكهربة بعد فترة قصيرة نسبيا استقطعت من عمره و مرت عليه كأنها حلم اختلطت فيه الحكايات الجميلة بالكوابيس المرعبة.
هذه إذن واحدة من تلك القصص التي لا تنتهي بزواج و زغرودة. إنها فرحة لم تكتمل، ليس بسبب الإكراهات أو الحظ العاثر بل بسبب الخبث البشري الذي يسكن الكثير من النفوس و الذي قد يجد تفسيره أحيانا في طبيعة متطلبات الوظيفة ... أو في "الدواعي الأمنية" لا غير. صحيح أن مبدع الحكاية لم ينتهج سياسة جبر الخواطر لكنه نجح في فتح أعين المتلقين على حقيقة من حقائق الحياة المرة.
و للمزيد من المعلومات، رجاء البحث عن الفيلم. فهو جدير بالمشاهدة (و بالنميمة أيضا) و يستحق كل الجوائز الممكنة.






