مجتمع وحوداث

أزمة المحاماة.. حين يصبح الخلاف امتحاناً لوحدة المهنة

محمد براو (خبير دولي في الحكامة، باحث ومحاضر جامعي)
مقدمة:

لم تعد أزمة المحاماة المغربية اليوم مجرد خلاف حول قانون جديد، ولا مجرد نقاش بشأن جدوى الإضراب واستمراره أو توقيته. ثمة شيء أعمق يحدث في الخلفية: إنه اختبار حقيقي لقدرة مهنة تقوم في جوهرها على الاختلاف والدفاع عن الرأي على أن تحافظ، في الوقت نفسه، على الحد الأدنى من وحدتها عندما يتعلق الأمر بقرار مهني جماعي.

في هذا السياق جاء موقف عدد من المحامين الرافضين لاستمرار الإضراب، والداعين إلى العودة إلى الحوار. ومهما كان تقييم هذا الموقف، فإنه في أصله تعبير عن رأي مهني مشروع. فالاختلاف ليس جريمة، وليس من حق أي مؤسسة مهنية أن تطلب من المحامي أن يتخلى عن قناعته لمجرد أن الأغلبية اختارت موقفاً آخر. بل إن مهنة المحاماة، تحديداً، يفترض أن تكون من أكثر المهن قدرة على استيعاب الرأي المخالف، لأنها مهنة الحجة والدفاع والجدل القانوني.

لكن المشكلة لا تبدأ عند إعلان الاختلاف. المشكلة تبدأ عندما ينتقل الاختلاف من مجرد رأي معارض إلى ممارسة عملية قد تؤثر في قرار جماعي قائم. وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً: أين تنتهي حرية المحامي في الاختلاف، وأين تبدأ مسؤوليته تجاه العمل المهني الجماعي؟

ليست المشكلة في قول: لا

ليس المطلوب من المحامين أن يكونوا نسخة واحدة من بعضهم. ومن الطبيعي أن يختلفوا حول توقيت الإضراب، أو وسيلته، أو جدوى استمراره، أو حتى حول أصل المطالب التي بُني عليها. وقد يكون المحامي الذي يعارض الإضراب مقتنعاً بأن الحوار أكثر فائدة، وقد يرى محامٍ آخر أن التراجع في هذه المرحلة سيضعف موقف المهنة. وكلاهما يمكن أن يملك حجته. والأغلبية ليست دائماً على حق. فالتاريخ السياسي والمهني مليء بقرارات اتخذتها أغلبيات ثم تبين لاحقاً أنها كانت مخطئة. لكن وجود الأغلبية لا يعني إلغاء الأقلية، كما أن وجود الأقلية لا يعني إلغاء القرار الجماعي.وهنا تكمن إحدى القواعد الأساسية لأي عمل جماعي: أن يكون الاختلاف ممكناً، وأن يكون القرار الجماعي ممكناً أيضاً. وإلا تحول التنظيم المهني إلى مجرد تجمع لأفراد، لكل واحد منهم موقفه وتصرفه، من دون قدرة حقيقية على إنتاج موقف مشترك.

هل مخالفة الإضراب مخالفة للقانون؟

هنا يجب الحذر من الأحكام الجاهزة. فليس من الدقة القول إن كل محامٍ مارس عمله أثناء الإضراب ارتكب تلقائياً مخالفة قانونية أو تأديبية. فهذه مسألة تحتاج إلى تحديد طبيعة القرار الصادر عن الهيئة، ومدى إلزاميته، وسنده القانوني، ولا سيما القواعد المنظمة لممارسة حق الإضراب وحرية العمل، فضلاً عن طبيعة الأعمال التي تمت مباشرتها أثناء فترة التوقف. بمعنى آخر، يجب ألا تتحول المعركة المهنية إلى محكمة تصدر أحكامها قبل أن تفحص النصوص. لكن، في المقابل، فإن عدم الجزم بوجود مخالفة قانونية لا يعني أن السؤال المهني غير موجود. فإذا اتخذت هيئة مهنية قراراً جماعياً، ثم اختار جزء من أعضائها عدم الالتزام به ومباشرة العمل، فإن ذلك يطرح، على الأقل، سؤالاً حول مدى قدرة القرار الجماعي على إنتاج أثره.

وهنا لا نتحدث بالضرورة عن العقوبة، وإنما عن معنى العمل الجماعي نفسه. فإذا أصبحت القرارات الجماعية قابلة للتفريغ من أثرها كلما اختلف بعض الأعضاء معها، فكيف يمكن لمؤسسات المهنة أن تفاوض أو تحتج أو تتخذ مواقف مشتركة؟ وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول مجرد الاختلاف مع القرار إلى قرينة على سوء النية أو إلى اتهام أخلاقي أو مهني من دون سند. المطلوب هو التمييز بين حق الاعتراض وبين مدى مشروعية وآثار مخالفة قرار جماعي، وهي مسألة لا تحسم إلا بالرجوع إلى القواعد القانونية والمهنية المنظمة لها.

القانون نافذ… لكن النقاش لا يموت

ومن بين الحجج التي تتكرر في هذا النقاش أن القانون صدر ونُشر، وبالتالي لم يعد هناك معنى للاحتجاج. وهذا خلط بين أمرين مختلفين. دخول القانون حيز النفاذ يعني وجوب تطبيقه وفقاً لمقتضياته، لكنه لا يعني أن كل نقاش حوله أو اعتراض عليه قد انتهى. فالقوانين قابلة للتعديل والمراجعة، والنص الذي دخل حيز التنفيذ اليوم يمكن أن يصبح موضوعاً لمراجعة تشريعية غداً. لذلك فإن الاختلاف حول القانون، أو المطالبة بتعديله، أو الاعتراض على بعض مقتضياته، لا يتعارض في حد ذاته مع كونه قانوناً نافذاً.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح هو: ما الوسيلة الأكثر نجاعة لتحقيق الهدف؟ وهذا سؤال سياسي ومهني واستراتيجي، وليس بالضرورة سؤالاً عن مشروعية الحق في الاحتجاج. قد يرى فريق أن استمرار الإضراب هو الطريق الأفضل، وقد يرى فريق آخر أن الحوار أصبح أكثر جدوى. والحسم في هذا النوع من الخلافات لا ينبغي أن يكون بالتخوين، بل بالحجة والنتائج.

حين يدخل المتقاضي على خط الأزمة

ثمة عنصر غالباً ما يغيب وسط الصراع المهني: المواطن. فالمحاماة ليست جزيرة معزولة عن المجتمع. والمحامي يدافع عن مصالح مهنته، لكنه في الوقت نفسه يؤدي وظيفة ترتبط مباشرة بحقوق المتقاضين وبحسن سير العدالة. ولهذا فإن أي إضراب مهني واسع يطرح سؤالاً مشروعاً حول تأثيره على المواطنين، خصوصاً في القضايا المرتبطة بالحرية، والآجال القانونية، والحالات الاستعجالية، وسائر الحالات التي يمكن أن يؤدي فيها غياب المؤازرة القانونية إلى المساس بحقوق الأشخاص.

المتهم الذي ينتظر مؤازرة محاميه لا ينبغي أن يتحول إلى ضحية جانبية في نزاع مهني لا يملك فيه قراراً. ومن هنا تصبح مسألة الحد الأدنى من الخدمة مسألة تستحق نقاشاً قانونياً ومهنياً جاداً، لا أن تستخدم كشعار لتبرير موقف مسبق. فالحق في الإضراب يجب أن يُحترم في إطار القانون، وحقوق المتقاضين يجب أن تُصان في الوقت نفسه. والتحدي الحقيقي هو إيجاد التوازن بين الأمرين.

المسألة ليست شخصية

ومن الخطأ اختزال الأزمة في شخص بعض المحامين، ولو كان بينهم نقباء أو وزير سابق، والذين اختاروا الموقف المعارض للإضراب أو الاستمرار فيه. فقد يكون هؤلاء أصحاب موقف مخالف، لكنهم ليسوا هم الأزمة. كما أن المحامين الذين اختاروا الالتزام بالإضراب ليسوا، لمجرد ذلك، خصوماً لمن يخالفهم الرأي. المشكلة أكبر من الأشخاص. إنها تتعلق بثقافة العمل الجماعي داخل المحاماة المغربية، مهما كان التوجه والموقف. فاليوم يختلف المحامون حول الإضراب، وغداً قد يختلفون حول انتخاب نقيب، وبعد غد حول تدبير مؤسسة مهنية أو صندوق أو مشروع قانون أو قرار لمجلس هيئة. فإذا أصبحت كل معارضة سبباً للقطيعة، وكل قرار جماعي سبباً للاتهام، وكل ممارسة مخالفة سبباً للتخوين، فإن المشكلة لن تكون في القرار نفسه، وإنما في الثقافة التي تدير بها المهنة خلافاتها.

الأغلبية لا تملك الحقيقة وحدها، لكن...

على الهيئات المهنية أن تنتبه إلى أمر بالغ الأهمية: امتلاك الأغلبية لا يعني امتلاك الحقيقة. وإذا كانت الأغلبية تريد من الأقلية احترام القرار الجماعي، فعليها في المقابل أن تحترم حق الأقلية في السؤال والنقد والاعتراض. لا يمكن بناء وحدة مهنية حقيقية بالخوف، ولا يمكن حماية القرار الجماعي بالتخوين. فالوحدة التي تقوم على إسكات المختلف ليست وحدة؛ إنها مجرد صمت مؤقت.

لكن الأمر نفسه ينطبق على الأقلية. فالمعارضة ليست امتيازاً يسمح بتجاهل كل قواعد العمل الجماعي. ومن حق المعارض أن يقول إن القرار خاطئ، ومن حقه أن يقترح بديلاً، ومن حقه أن يسعى إلى تغييره بالوسائل القانونية والمهنية. لكن عليه أيضاً أن يدرك أن تحويل المعارضة إلى ممارسة ميدانية واسعة لتفريغ القرار الجماعي من مضمونه قد يؤدي في النهاية إلى إضعاف المؤسسة التي يريد إصلاحها. وهنا بالضبط يجب أن تكون الحدود واضحة: حق الاختلاف مكفول، أما آثار السلوك المخالف لقرار جماعي فتحددها طبيعة القرار وسنده القانوني والقواعد المهنية المنظمة له.

المحاماة تحتاج إلى ثقافة جديدة في الاختلاف

ربما تكون هذه الأزمة فرصة لإعادة بناء العلاقة بين الاختلاف والوحدة داخل المهنة. نحن لا نحتاج إلى محاماة متفقة دائماً، بل نحتاج إلى محاماة تختلف بطريقة مهنية. محاماة تستطيع أن تقول للنقيب: أخطأت، من دون أن تهينه. وتستطيع أن تقول للمجلس: نختلف معكم، من دون أن تهدم المؤسسة. وتستطيع أن تقول لزميلها: موقفك غير صحيح، من دون أن تحول الخلاف إلى خصومة شخصية. وفي المقابل، تحتاج المؤسسات المهنية إلى أن تتعامل مع النقد باعتباره جزءاً من الحياة الديمقراطية للمهنة، لا باعتباره تهديداً لسلطتها. هذه هي المعادلة الصعبة: مؤسسات قوية دون استبداد مهني، ومعارضة قوية دون فوضى مهنية.

فالعمل الجماعي لا يعني إلغاء الفرد، كما أن حرية الفرد لا تعني إلغاء العمل الجماعي. ما الذي سيبقى بعد انتهاء الأزمة؟ ستنتهي هذه الأزمة عاجلاً أم آجلاً. سيتوقف الإضراب، أو يستمر، أو يعود الحوار، أو تتغير بعض المواقف. لكن الأثر الحقيقي لهذه المرحلة لن يقاس فقط بما ستنتهي إليه المفاوضات، وإنما سيقاس أيضاً بكيفية تعامل المحامين مع بعضهم البعض.

هل استطاعت الأغلبية أن تحترم الأقلية؟ هل استطاعت الأقلية أن تمارس حقها في المعارضة دون إضعاف العمل الجماعي؟ هل استطاعت الهيئات المهنية أن تدافع عن قراراتها بالحجة والقانون؟ وهل استطاع المختلفون أن يخرجوا من هذه المعركة وهم ما زالوا زملاء؟ هذه هي المعركة الحقيقية. لأن مهنة المحاماة لا يمكن أن تكون قوية أمام المجتمع والدولة والقضاء إذا كانت عاجزة عن إدارة خلافاتها من الداخل. ولا يمكن أن تكون مستقلة إذا تحولت الاختلافات المهنية إلى ولاءات شخصية. ولا يمكن أن تحافظ على كرامتها إذا أصبح التخوين بديلاً عن الحجة.

ختاماً

في النهاية، ليس المطلوب أن يتفق المحامون على كل شيء. المطلوب أن يتفقوا على شيء واحد على الأقل أن اختلافهم لا ينبغي أن يكون أقوى من مهنتهم. فالمعركة قد تكون اليوم حول الإضراب، لكنها غداً ستكون حول قضية أخرى. الأشخاص سيتغيرون، والنقباء سيتغيرون، والقوانين ستتغير. أما المهنة فستبقى. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يخرج به الجميع من هذه اللحظة ليس من انتصر؟ بل سؤال أكبر: هل خرجت المحاماة المغربية من خلافها أكثر قوة، أم أكثر انقساماً؟ ذلك هو الامتحان الحقيقي.