فن وإعلام

العرس في السرادق… والصحافة في الكوخ!

محمد مشهوري (صحفي)

يقال، في كتب الديمقراطية وفي خطب السياسيين، إن الصحافة شريك للسياسة في بناء الديمقراطية، وإن السلطة الرابعة ليست مجرد متفرج يجلس في آخر الصف، بل طرف أساسي في صناعة النقاش العمومي ومراقبة أداء المؤسسات وتنوير المواطن.

كلام جميل… بل جميل جدا.

لكن، على أرض الواقع، يبدو أن للصحافة في المغرب حكاية أخرى.

فحين تتم برمجة انتخابات المجلس الوطني للصحافة في عز الحملة الانتخابية التشريعية، يصبح من الصعب ألا يتساءل المرء: هل نحن أمام صدفة في الروزنامة، أم أمام ترتيب يكشف، من حيث لا ندري، عن المكانة التي يراد للصحافة أن تحتلها في المشهد الديمقراطي؟

المشهد، في مخيلتي، يشبه تماما سرادق عرس فاخر.

سرادق كبير مضاء من كل الجهات، تتدفق إليه الشخصيات والمنتخبون والمرشحون والفاعلون السياسيون. موائد ممتدة، أطباق شهية، مشروبات باردة، موسيقى، كاميرات، وخطب ووعود وتصفيقات.

كل شيء مرتب بعناية حتى يشعر المدعوون بأنهم في قلب الحدث.

لكن، خلف السرادق، وفي مكان لا تكاد تصل إليه أضواء الحفل، يوجد كوخ صغير.

في ذلك الكوخ يجلس الصحافيون.

لا أضواء، لا سجادة حمراء، ولا مكان مخصص في برنامج العرس.

وحين تنتهي الوليمة، قد يتذكر أحدهم أن هناك صحافيين في الخارج، فيرسل إليهم شيئاً من البقايا.

وهكذا تصبح الصحافة شريكا… ولكن في البقايا!

هذه ليست مشكلة الصحافيين وحدهم. إنها مشكلة ديمقراطية.

لأن المجلس الوطني للصحافة ليس جمعية ترفيهية للمهنيين، ولا ناديا مغلقا للصحافيين. إنه مؤسسة يفترض أن تكون في صلب تنظيم المهنة وحماية أخلاقياتها والدفاع عن استقلاليتها ومواكبة التحولات التي يعرفها الإعلام.

والأغرب أن انتخابات هذه المؤسسة تأتي في اللحظة التي يفترض فيها أن تكون الصحافة في أقصى درجات حضورها وتأثيرها، أي خلال الحملة الانتخابية التشريعية.

ففي الوقت الذي يُطلب فيه من الصحافي أن يواكب الأحزاب والمرشحين والبرامج والوعود، وأن ينقل النقاش الانتخابي إلى المواطنين، يُطلب منه في الوقت نفسه أن يخوض انتخاباته الخاصة في الهامش.

السياسة لها سرادقها… والصحافة لها كوخها.

ولعل أكثر ما يثير السخرية أن الجميع يحب الصحافة عندما يحتاج إليها.

يحبها السياسي عندما تنقل خطابه.

ويحبها المرشح عندما تنشر صورته.

ويحبها المسؤول عندما تبرز إنجازاته.

ويحبها الجميع عندما تكون مفيدة لهم.

لكن عندما يتعلق الأمر بمنحها المكانة المؤسساتية التي تستحقها، يصبح الأمر فجأة قابلا للتأجيل، وقابلا للتهميش، وقابلا لأن يوضع في آخر قائمة الأولويات.

وهنا تكمن المفارقة.

نريد صحافة قوية عندما نحتاجها، وصحافة هامشية عندما يتعلق الأمر بمكانتها.

نريدها أن تكون سلطة رابعة، لكن يبدو أحيانا أننا نريد لها أن تكون سلطة رابعة بلا كرسي في السرادق!

الديمقراطية ليست فقط أن نفتح صناديق الاقتراع للسياسيين.

الديمقراطية أيضا أن نحترم المؤسسات التي تحمي الحق في المعلومة، وحرية التعبير، وأخلاقيات المهنة، واستقلالية الصحافة.

لذلك، فإن توقيت انتخابات المجلس الوطني للصحافة ليس مجرد تفصيل تقني في أجندة انتخابية. إنه يحمل رسالة سياسية ومؤسساتية، سواء كان ذلك مقصودا أم غير مقصود.

والرسالة، للأسف، تبدو واضحة:

حين يتعلق الأمر بالسياسة، يُفتح السرادق.

وحين يتعلق الأمر بالصحافة، يُشار إلى الكوخ.

لكن الصحافة لا تطلب أن تجلس على رأس المائدة، ولا أن تأخذ مكان العروس والعريس.

كل ما تطلبه هو ألا تعامل كمن جاء متأخرا إلى العرس.

فإذا كانت السلطة الرابعة شريكا حقيقيا في ترسيخ الديمقراطية، فلا تجعلوها تأكل بقايا الديمقراطية في كوخ خلف السرادق.