فن وإعلام

الفقه بين التراث والواقع.. إشكالية تنزيل الأحكام في الدولة الوطنية الحديثة

الصادق أحمد العثماني (أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية)
من أخطر مظاهر الجمود الفقهي في زماننا أن يتعامل بعض المتحمسين مع كتب الفقه القديمة وكأنها نصوص شرعية مقدسة ثابتة، تُستخرج منها الأحكام ثم تُلقى مباشرة على واقع معاصر شديد التعقيد، دون نظر في تغير الأعراف، وتبدل البنى السياسية والاجتماعية، والثقافية؛ بالإضافة إلى تغير طبيعة الدولة ووظائفها. والمشكلة ليست في كتب الفقه، فهي تراث علمي عظيم، وإنما في سوء استعمالها حين تتحول اجتهادات فقهية ارتبطت بظروف تاريخية معينة إلى أحكام مطلقة صالحة لكل زمان ومكان، دون تحقيق للمناط ولا اعتبار للمآلات .

وفي هذا السياق قرر الإمام القرافي رحمه الله قاعدة بالغة الأهمية حين نبه إلى أن المفتي لا يجوز له أن يفتي الناس بمجرد ما وجده في كتب المتقدمين، دون معرفة أعرافهم وأحوالهم، لأن الحكم قد يتغير بتغير العرف والزمان والحال. وهذه ليست دعوة إلى العبث بالأحكام، وإنما هي من صميم الفقه الذي يميز بين الثابت والمتحرك في الشريعة الإسلامية، مع مراعاة الواقع المعاصر ومستجداته أثناء تنزيل الأحكام عليه . 

كما أن الإمام الجويني رحمه الله جعل النظر في المصالح والمفاسد ومآلات الأفعال جزءاً من النظر الشرعي، فلا يكفي أن يكون الفعل داخلاً في حكم فقهي من حيث الأصل حتى يصح تنزيل ذلك الحكم على كل واقعة مشابهة في الظاهر. فالعبرة بتحقق العلة والمناط، وبالقدرة والاستطاعة، وبطبيعة الواقع، وبالنتائج المترتبة على التنزيل .

ومن هنا تأتي ضرورة إعادة النظر في طريقة التعامل مع الأحكام التي تتعلق بالتكفير والقتل وإقامة العقوبات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الجهاد والخروج المسلح. وليس المقصود تعطيل الشريعة أو إلغاء أحكامها، وإنما التمييز بين الحكم الشرعي في ذاته، وبين شروط تنزيله، والجهة المخولة بتطبيقه، والواقع الذي ينزل فيه.

فالدولة الوطنية الحديثة اليوم ليست هي الدولة العباسية التي كانت قائمة في كثير من التصورات الفقهية القديمة؛ فقد أصبحت السلطة فيها موزعة بين مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية وأمنية ودينية، وأصبح استعمال القوة والعقوبة وإعلان الحرب وتنفيذ الأحكام من اختصاص مؤسسات محددة تضبطها القوانين والأنظمة. ولذلك لا يجوز أن يتصرف المفتي أو الفقيه أو الفرد أو الجماعة الإسلامية وكأنها دولة داخل الدولة، فتمنح نفسها سلطة التكفير أو العقاب أو التحريض على القتل أو إعلان الجهاد أو الدعوة إلى الخروج .

وحديث النبي ﷺ: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان" أصل عظيم في المسؤولية تجاه المنكر، لكنه لا يمكن أن يُفهم بمعزل عن قواعد الشريعة في الاستطاعة والمصلحة والمفسدة والاختصاص.. فالحديث لا يمنح كل فرد سلطة استعمال القوة، ولا يجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باباً للفوضى أو الاعتداء على الناس في الطرقات والأزقة والشوارع. ولو فُهم على هذا النحو لتحول المجتمع إلى جماعات متنازعة، كل جماعة تدعي امتلاك الحق في فرض تصورها للدين بالقوة .

والأخطر من ذلك أن تستخرج بعض الجماعات من كتب الفقه القديمة أحكاماً مرتبطة بظروف سياسية وحربية واجتماعية مخصوصة، ثم تسقطها مباشرة على الدولة والمجتمع المعاصرين، فتوزع أحكام التكفير، وتستبيح أعراض المخالفين، وتحرض على قتلهم، أو تدعو إلى الخروج على الدولة، أو تتحدث عن الجهاد والحرب وكأنها صاحبة ولاية عامة. وهذا في حقيقته ليس تطبيقاً للفقه، وإنما جهل به وإلغاء لعلم أصول الفقه نفسه؛ لأن أصول الفقه لا تقوم على استخراج الحكم فقط، بل على معرفة مناطه وشروطه وموانعه، ومن يملك سلطة تنزيله، وما تؤول إليه نتائجه.

وهنا تتأكد أهمية المشروع المقاصدي الذي يدعو إليه فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه، القائم على فقه الواقع، والنظر في المآلات، وتحقيق المصالح، وترشيد الفتوى؛ فالفتوى التي تتجاهل الواقع ومآلاتها قد تتحول من وسيلة لتحقيق مقاصد الشريعة إلى سبب في نقضها.

إن بعض الخطابات التكفيرية والجهادية المعاصرة تعيد إنتاج منطق محاكم التفتيش الكاثوليكية بصورة جديدة؛ فبدلاً من مؤسسات الإفتاء والقضاء والقانون نجد أفراداً وجماعات ينصبون أنفسهم قضاة ومفتين ومنفذين للعقوبات في آن واحد. وهذا خروج عن منطق الدولة ومقاصد الشريعة معاً. إن تجديد الفقه لا يعني هدم التراث، كما أن احترام التراث لا يعني تحويله إلى نصوص جامدة خارج سياقاتها. الفقه الحقيقي هو القدرة على التمييز بين ما هو ثابت وما هو متغير، وبين الحكم ومناطه، وبين الفتوى وتنفيذ الحكم، وبين النص الشرعي وسلطة تنزيله.

ومن لم يحقق هذه الفروق فقد يظن أنه يدافع عن الشريعة، بينما هو في الحقيقة يسيء إليها؛ لأن الشريعة جاءت لحفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وكرامة الإنسان..لا لتحويل المجتمعات إلى ساحات للتكفير والتحريض والاقتتال .

فالشريعة لا تحتاج إلى الفوضى كي تنتصر، والفقه لا يحتاج إلى التكفير كي يثبت حضوره، وإنما يحتاج كلاهما إلى علماء يدركون النص والواقع معاً، ويعرفون أن من أعظم أصول الاجتهاد: تحقيق المناط، ومراعاة المآلات، وحفظ المصالح، واحترام الاختصاصات..