منذ البارحة و أنا أنتظر و أتمنى أن تهدأ النفوس قليلا و تلين نبرة الخطاب و قسوته حتى نتمكن من تبادل الأفكار ليس فقط بيننا كزملاء و لكن أيضا كرجال قانون و كعقلاء تبنى الروابط فيما بينهم على الفضيلة و الإحترام و حسن النية.
لكن للأسف، لم أقرأ من المواقف و التدوينات إلا ما يندى له الجبين!
و كل ما في القصة، هو أن بعض الزملاء ارتأوا أن يقوموا بخطوة رمزيّة لاستئناف العمل بعد توقف مفتوح و صل أربعة أشهر، و إذا احتسبنا التوقف خلال شهر رمضان و ما قبله، فإننا بصدد نصف سنة من شلل شبه كلي للمحاكم و للعدالة!
و حسب بلاغات جمعية هيئات المحامين في المغرب، و خصوصا البلاغ الأخير الذي حدد سقف المعركة في "إسقاط" القانون الجديد للمهنة الذي أصبح ساري المفعول، فإن "المعركة" أصبحت مفتوحة على الزمن. و في الحقيقة هي مفتوحة على المجهول!
فماذا لو غيرنا زاوية النظر بخصوص العودة الرمزيّة إلى المحاكم!؟
شخصيا، أرى أنّ في المبادرة التي قام بها بعض الزميلات و الزملاء في هيئة الدار البيضاء بعض رموز المحاماة في المغرب ككل و هم النقيبين الشهبي و درميش و الأستاذ الرميد، رفع للحرج عن الجمعية و تخفيف الضغط على هيئات المحامين و خصوصا في الدار البيضاء التي تضم وحدها ثلث محامي المغرب!
فالجمعية رفعت السقف إلى حدود لا يمكن التراجع عنها بخطوة واحدة للوراء دون الإفلات من منجنيقات التخوين التي نصبتها بعض دوائر التأثير الأخلاقوي القابعة داخل جسم المحاماة، و التي لن تتردد في قلب الواقع على الجمعية انطلاقا من ما صدر في بلاغات هاته الأخيرة من أشكال احتجاجية جذرية كاستقالة النقباء و اعتبار أننا غير معنيين بأي قانون يصدر ضد إرادتنا!
فنحن كديموقراطيين نعتبر أن هذه الأشكال مرتبطة بسياقها و لا يمكن، و لا يجب أن نحاسب على أساسها قيادة الجمعية و نطالبها بأن تكون في مستوى "كلامها" و أن تقوم يترجمته إلى أرض الواقع. لكن جماعة العدل و الإحسان مثلا ستفعل ذلك!
فالأستاذ مصطفى الرميد لخّص الواقع، و هو محق في ذلك، في جملة واحدة و هو أن الجمعية حفرت حفرة عميقة و هي الآن تعمل على تعميقها أكثر فأكثر!
فالمعارك النضالية تدار بالأدوات و الوسائل الممكنة. و الممكن في هاته الحالة هو استمرار الترافع المؤسساتي من أجل إصلاح هذا القانون و استكمال التأطير القانوني للمحاماة في المغرب حتى تكون في مستوى رسالتها التاريخية كمهنة تؤطرها المبادئ الأممية قبل القوانين المحلية. و ليس بإسقاط القانون!
لأن القواميس الديمقراطية لا تعترف و لا تعترف بأسلوب الإسقاط!
ثم ماذا لو استمر الوضع على ما هو عليه، توقف مفتوح عن العمل؟
أتمنى أن يخيب ظني، لكن إنه لمن سابع المستحيلات أن يفضي هذا التوقف إلى إسقاط القانون. صحيح أن الدولة أخطأت في تمرير قانون لا يحضى بالتوافق مع المعنيين بتطبيقه. فالقوانين ذات الطابع الإصلاحي لا تكون قوية و فعالة عندما لا تنخرط الأطراف الشريكة في مشروع الإصلاح الذي تحمله. لكن من المستحيل أن يتم إلتراجع عن هذا القانون تحت هذا الحجم من الضغوط و لو بالوسائل الاستثنائية المتاحة!
و بالمناسبة، فإن الوزير السابق المصطفى الخلفي حاول وضع قشرة موز تحت أقدام المحامين عندما تحدث عن مرسوم قانون. و لو كان الخلفي لا يزال وزيرا، لقال كلاما آخرا!
كما أستغرب كيف يستعين الرفاق في اليسار بمفاهيم الأصولية العمياء من أجل الهجوم عمن يختلف معهم في تدبير الخروج من هاته "الحصلة"، فيتهمونهم بالخروج عن الجماعة. و هذا أخطر ما في الأمر، لأن المسألة عند اليسار هي مسألة خذلان، لكن عند بعض القوم ، قد تصل إلى الردة التي تستلزم إقامة الحد!
إن تذويب الفرد في الجماعة هو واحد من الأسس التي تنبني عليها التنظيمات و الإديولوجيات المتطرفة!
كما أن الإنضباط العسكري لرأي الجماعة و انعدام إمكانية مخالفتها هو قتل لفكرة الديموقراطية!
لا شك أن لهاته الوضعية كلفتها المادية و الاجتماعية. فهل لدينا اليوم الشجاعة لتقييم هاته الكلفة بالنسبة للمحامين و المتقاضين و بالنسبة لصورة البلد في الخارج؟ و هنا لا أتحدث عن الاستغلال المقيت و الغبي من طرف من طرف كل من يكن للبلد حسيفة!
و كيف سنضمن أن التضحيات التي نطلب من المحامين بذل المزيد منها لن تصل إلى خدش كرامتهم؟
إذا تم خدش كرامة المحامي فمن الأحسن أن نقرأ السلام على مهنة النبلاء. فالصورة ستتغير بالنسبة للمجتمع الذي لا يزال يحمل للمحامي قدرا كبيرا من الإحترام و يعتبره ملجأه الوحيد للدفاع عنه و حماية حقوقه و مصالحه!
إن الشجاعة تقتضي أن نتعامل مع الوضع بمسؤولية و أن نخرج منه بحكمة و افتخار. فليس للمناضل و المدافع عن الحق ما يخسره. على العكس من ذلك تماما، فهذه هي صيرورة التاريخ!
فتحية للنقيبين المحترمين و للأستاذ الرميد و باقي الزملاء الذين كانت لهم شجاعة الاختلاف و شجاعة العودة الرمزيّة للمحاكم من أجل رفع الحرج عن زملائهم و مؤسساتهم!
و في نهاية المطاف فإن الضمير المهني هو آخر معاقل النبلاء في زمن يموج بالخطابات المتعصبة و التخوين!






