مجتمع وحوداث

فوج الرميد الثماني.. حين تتكلم لغة الجسد أكثر من أصحابها

مراد زيبوح (محام بهيئة وجدة)
شاهدوا الشريط جيدا: لا أحد يبدو مرتاحا، ولا أحد يتقدم بثبات صاحب موقف مستعد للدفاع عنه. خطوات متسارعة، نظرات هاربة، وجوه تتفادى الكاميرا، وأجساد تحاول شق طريقها بعيدا عن الأسئلة. كل واحد يكاد يدفع بالآخر إلى واجهة المشهد قبل أن يتراجع خلفه. لا ترى مجموعة محامين جاءت لتعلن بشجاعة اختلافها مع قرار مؤسساتها، بل أشخاصا حضروا لصناعة صورة، ثم باغتهم السؤال عن معناها.


هنا بدأت حركة الانسحاب: واحد يتفادى الجواب، وآخر يسرع الخطى، وثالث يحيل الصحافيين على غيره، قبل أن تظهر العبارة السحرية التي تقرر الاحتماء بها: «التصريح يحتاج إلى إذن النقيب».


وهذه وحدها تختزل عبث المشهد كله: مخالفة قرار النقيب لا تحتاج إلى إذنه، أما شرح سبب مخالفته فيحتاج إلى ترخيص منه! تحررت أقدامهم من سلطة المؤسسة، وظلت ألسنتهم خاضعة لها. خرجوا على القرار بالفعل، ثم استدعوا صاحب القرار لحمايتهم من الكلام.


كان يفترض أن تنتج الكاميرات صورة محامين واثقين عادوا إلى المحكمة متحدين قرار الإضراب، لكنها أنتجت العكس تماما: أشخاصا دخلوا ببدل المحاماة، بينما ظلت شجاعة إعلان الموقف خارج الباب. أرادوا أن يقولوا بالصورة إن الإضراب انكسر، فقالت أجسادهم المرتبكة إنهم غير قادرين حتى على تحمل معنى الصورة التي جاؤوا لصناعتها.


لقد أرادوا الظهور في صورة «كاسري الإضراب»، فظهروا في صورة «الهاربين من السؤال». وأرادوا أن يثبتوا أن قرارات المؤسسات المهنية لم تعد تخيفهم، فإذا بهم يستدعون النقيب نفسه ليحتمي خلفه تصريح لا يتجاوز بضع كلمات.


غير أن قراءة المشهد تظل ناقصة إذا فصلناه عن الشخصية التي تتقدمه: مصطفى الرميد.


فالرميد لم يظهر هنا باعتباره محاميا عاد بصورة عادية إلى مكتبه وملفاته وجلساته، بل ظهر في مقدمة مجموعة، بعد أيام قليلة من رسالته الداعية إلى إنهاء الإضراب، وفي مشهد حضرت فيه الصحافة وانتهى بمكتب الوكيل العام. وهذا الترتيب يمنح الصورة معنى سياسيا يتجاوز مجرد استئناف العمل.


يبدو الرميد في المشهد كمن لا يخاطب المحامين وحدهم، بل يخاطب الدولة أيضا، ويقول لها بالصورة: «ما زلت هنا، وما زلت نافعا. صحيح أنني غادرت الوزارة، ولم يسند إلي منصب مستشار ملكي، ولا حتى رئاسة مؤسسة دستورية أو هيئة من هيئات الحكامة، لكنني ما زلت أستطيع أن أجمع حولي مجموعة من المحامين، وأن أتحرك داخل أكبر هيئة بالمغرب، وأن أقدم نفسي وسيطا حين يلزم، وكاسرا للصف حين تطلب المرحلة ذلك».


إنها ليست مجرد عودة إلى المحكمة، بل تبدو أقرب إلى عملية تقديم أوراق اعتماد سياسية جديدة. فالرميد الذي اعتاد أن يظهر في موقع العارف بمصادر القرار، والقادر على حمل الرسائل والوساطة في الملفات، يبدو كأنه يخشى أن يتحول إلى اسم مؤرشف ضمن لائحة الوزراء السابقين؛ ولذلك يذكر الدولة، كلما سنحت المناسبة، بأنه ما يزال حاضرا وقابلا للاستعمال.


ولعل هذا ما يفسر حاجته إلى الكتيبة. فالرجل لا يستطيع أن يقدم نفسه للدولة باعتباره مؤثرا في المهنة إذا دخل المحكمة منفردا؛ كان لا بد من مجموعة تسير خلفه، ومن بدل سوداء تملأ خلفية الصورة، ومن كاميرات تحول العدد المحدود إلى حدث، ومن مكتب الوكيل العام يمنح المشهد خاتمة مؤسساتية.


لكن المشكلة أن الكاميرا لا تضخم العدد فقط، بل تكشف الارتباك أيضا.


فبدل أن تظهر المجموعة دليلا على نفوذ الرميد داخل المهنة، تحولت إلى دليل على حدود ذلك النفوذ: وزير سابق بكل تاريخه وعلاقاته ورسائله وتحركاته، لم يستطع أن يقدم للدولة إلا ثمانية محامين، ثم لم يستطع أن يمنح هؤلاء الثمانية جوابا واحدا يواجهون به الصحافة.


ثمانية محامين لا يكفون لإعلان انقسام مهنة، لكنهم قد يكفون لصناعة تقرير تلفزيوني قصير. وربما كان هذا هو المطلوب: ليس تغيير ميزان القوى داخل المحاماة، بل إنتاج صورة قابلة للتسويق توحي بأن جدار الإضراب بدأ يتشقق، وأن الرميد هو من أحدث فيه الفتحة الأولى.


لقد أراد مخرج المشهد أن يجعل منهم طليعة عودة مهنية، فإذا بهم يظهرون كوفد يبحث داخل مكتب الوكيل العام عن غطاء مؤسساتي، بعدما أدار ظهره لمؤسسته المهنية. وأراد أن يقدمهم باعتبارهم أصحاب مبادرة، فبدوا أقرب إلى أشخاص يعرفون بدقة أين ينبغي أن يصلوا، لكنهم لا يريدون أن يسألهم أحد: من اختار نقطة الانطلاق؟ ومن حدد الوجهة؟ ولماذا حضرت الكاميرات في الموعد نفسه؟


وبهذا يصبح مكتب الوكيل العام جزءا أساسيا من رمزية المشهد؛ فلو كان الأمر مجرد استئناف للعمل، لتوجه كل محام إلى جلسته وملفه وموكله. أما أن تدخل المجموعة مجتمعة ثم تنتهي مجتمعة داخل المكتب، فذلك يجعلنا أمام رسالة موجهة إلى جهة بعينها، لا أمام ممارسة مهنية عادية.


لقد أراد الرميد أن يقول للدولة: «ما زلت قادرا على التأثير في المحامين».


لكن لغة أجساد مرافقيه أوصلت إليها رسالة أكثر صدقا: «استطعنا جمعهم وإدخالهم إلى المحكمة، لكننا لم نستطع أن نمنحهم الثقة الكافية للوقوف أمام ميكروفون».


وهكذا تحولت أوراق الاعتماد إلى شهادة على محدودية النفوذ، وتحولت الكتيبة إلى خلفية مرتبكة لصورة قائدها، وتحولت محاولة كسر الإضراب إلى محاولة معلنة لكسر العزلة السياسية.


لم يكن الرميد يقود ثمانية محامين إلى المحكمة فحسب؛ كان يحملهم معه إلى باب الدولة، ليطرق به عددهم الصغير ويقول: لا تنسوني، فما زلت قادرا على تقديم بعض الخدمات. غير أن الباب لا يفتح بكثرة الكاميرات، والمناصب لا تصنعها المواكب المرتبكة، ومن أراد إثبات قدرته على قيادة المهنة لا يبدأ بكتيبة تهرب من أول سؤال.