مجتمع وحوداث

ماذا لو أصبحت وسائل النقل العمومي مجانية لمن تجاوزوا 65 سنة في المغرب؟

أنور الشرقاوي (فاعل مدني)
ماذا لو، ونحن على أبواب انتخابات 23 شتنبر 2026، خرج مرشح مغربي باقتراح بسيط في شكله، لكنه كبير في رمزيته وقوي اذا ما مر لحيز التنفيذ: مجانية وسائل النقل العمومي للأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 سنة فما فوق؟


قد تبدو الفكرة، للوهلة الأولى، مجرد وعد انتخابي. 

لكنها قد تكون أكثر من ذلك بكثير.


فهي تمس في الوقت نفسه القدرة الشرائية، وحق التنقل، والصحة، وكرامة الأشخاص المسنين، وبالمناسبة أيضاً المشاركة في الحياة الانتخابية.


في فرنسا، أصبحت مجانية النقل أو التخفيضات الكبيرة لفائدة كبار السن معمولاً بها في عدد من الجماعات المحلية، كما أن مسألة مجانية النقل العمومي تعود بانتظام إلى النقاشات الانتخابية المحلية.

ففي مدينة مرسيليا، مثلاً، تم في شتنبر 2025 اعتماد مجانية النقل بالنسبة للأطفال دون العاشرة وللأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم 65 سنة.


وتحمل هذه التجربة الفرنسية درساً مهماً للمغرب: مجانية النقل ليست مجرد إجراء اجتماعي، بل يمكن أن تكون جزءاً من سياسة متكاملة للتنقل.


في المغرب، لماذا نبدأ بمن تجاوزوا 65 سنة؟


مجانية النقل لمن تبلغ أعمارهم 65 سنة فما فوق ستكون أكثر استهدافاً.

ويمكن تصورها في شكل «جواز تنقل لكبار السن»، صالح للاستعمال في وسائل النقل العمومي الحضري، ولمَ لا، على بعض الخطوط والرحلات السككية.


بالنسبة لشخص مسن يتقاضى معاشاً محدوداً، فإن توفير بضع عشرات أو مئات الدراهم كل شهر قد يمثل فرقاً حقيقياً في ميزانيته.


لكن الرهان الحقيقي يوجد في مكان آخر.


فالمسن الذي يستطيع ركوب الحافلة أو الترامواي مجاناً، سيكون أكثر قدرة على الذهاب إلى الطبيب، أو المستشفى، أو الصيدلية، أو السوق، أو زيارة أفراد أسرته، أو قضاء أغراضه لدى الإدارات، أو ببساطة لقاء أصدقائه.


وهنا تتحول مجانية النقل من مجرد امتياز اجتماعي إلى سياسة للصحة العمومية.

لأن العزلة الاجتماعية هي أيضاً شكل من أشكال الهشاشة.


وعد انتخابي قد تكون له أيضاً وظيفة ديمقراطية


هناك، كذلك، بُعد سياسي لا ينبغي تجاهله.

فالشخص المسن الذي يتردد في الخروج من منزله لأن تكلفة النقل أصبحت عبئاً عليه، لا يواجه فقط مشكلة في التنقل.

بل قد تقل، بالتدريج، حركته الاجتماعية والمدنية.


ومن هنا يمكن لمجانية النقل أن تسهّل أيضاً الوصول إلى مكاتب التصويت.


لكن ينبغي الحذر هنا.

فمجانية النقل لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن تقدم باعتبارها مكافأة انتخابية هدفها شراء أصوات كبار السن.


الأدق هو القول إنها وسيلة لضمان حق جميع المواطنين المسنين في التنقل، بما في ذلك يوم الانتخابات.


والفرق بين الفكرتين كبير.


من يستطيع، في المغرب، أن يحمل هذه المبادرة فعلياً؟


ربما هنا تحديداً تصبح الفكرة أكثر إثارة للاهتمام.

فالطرف الأول الذي ينبغي مخاطبته ليس بالضرورة شركة النقل نفسها.

بل السلطة العمومية التي تنظم النقل وتموله.


ففي ما يتعلق بالحافلات والترامواي داخل المدن، ترتبط المسألة إلى حد كبير بالجماعات الترابية، وشركات التنمية الجهوية والمحلية، والجهات المكلفة بتنظيم النقل والتنقل.


في الدار البيضاء، على سبيل المثال، تتدخل شركة «كازا ترانسبور» في تنظيم المشاريع الكبرى المرتبطة بالتنقل، بينما تساهم المدينة أصلاً في دعم النقل العمومي للحفاظ على أسعار في متناول المواطنين.


وفي الرباط وسلا، يتولى «ترانسديف» تشغيل الترامواي، لكن البنية التحتية والتنظيم يرتبطان بفاعلين عموميين ومؤسساتيين.


بمعنى آخر، ليس من المنطقي أن نطلب مباشرة من الشركة المشغلة الخاصة التخلي عن مداخيلها.

بل ينبغي أن تتكفل الجماعة أو الدولة بأداء الفارق.


وماذا عن المكتب الوطني للسكك الحديدية ONCF ؟


يشكل المكتب الوطني للسكك الحديدية حالة خاصة.

فـONCF مؤسسة عمومية ذات طابع صناعي وتجاري.


وهو يوفر أصلاً «بطاقة Senior» التي تمنح تخفيضاً بنسبة 15 في المائة، مع إمكانية الاستفادة من تخفيضات إضافية وفق شروط الاقتناء.

وهذا يعني أن الباب مفتوح أصلاً أمام تطوير الفكرة.


فلماذا لا تتحول هذه البطاقة إلى «Pass Senior 65+»، يتيح مثلاً مجانية أو تخفيضاً كبيراً على فئات معينة من القطارات، أو خلال أوقات محددة، أو على بعض الرحلات؟


أما مجانية النقل بشكل كامل على مجموع الشبكة، فستكون، بطبيعة الحال، أكثر كلفة.


الحافلات بين المدن أم القطار؟


من الطبيعي أن تكون الحافلات والترامواي الحضريان نقطة البداية.

فالكلفة المرتبطة بالرحلة الواحدة محدودة نسبياً، والهدف الاجتماعي واضح ومباشر: تمكين كبار السن من التنقل اليومي داخل مدنهم.

ثم يأتي المستوى الثاني، وهو المكتب الوطني للسكك الحديدية، من خلال نظام وطني أكثر تنظيماً: تخفيضات كبيرة جداً، وربما مجانية في ظروف محددة.


أما شركات النقل الخاصة بين المدن، فقد يكون إدماجها في هذا النظام أكثر تعقيداً.


وسيتطلب الأمر على الأرجح آلية واضحة لتعويض الناقل عن كل رحلة يستفيد منها مسافر مسن مجاناً.


لذلك يمكن أن يكون النموذج تدريجياً:


65 سنة فما فوق: مجانية الحافلات والترامواي داخل المدن. 

65 سنة فما فوق: تخفيض كبير على الرحلات بالقطار على الصعيد الوطني .

65 سنة فما فوق: تجربة مجانية على بعض الخطوط السككية أو خلال أوقات محددة .


وفي مرحلة لاحقة، يمكن التفكير في توسيع التجربة لتشمل النقل بين المدن، في إطار خطوط واتفاقيات محددة.


إجراء اجتماعي… ولكن أيضاً اقتصادي


لا ينبغي النظر إلى المسألة من زاوية النفقات فقط.

فالمسن الذي يستطيع التنقل بحرية أكبر، قد يستهلك أكثر: يذهب إلى السوق، والمتاجر، والمقاهي، والخدمات، والمواعيد الطبية، والأنشطة الثقافية.


وبالتالي، فإن مجانية النقل بالنسبة لكبار السن قد تنتج، بشكل غير مباشر، نشاطاً اقتصادياً إضافياً.


كما يمكن أن تقلل من بعض الرحلات بالسيارة التي يقوم بها الأبناء أو الأقارب لمرافقة آبائهم وأمهاتهم المسنين.


وقد تشجع أيضاً على استعمال النقل الجماعي بدل السيارة الخاصة.


ولكن كم ستكلف هذه العملية المغرب؟


هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يجيب عنه أي مرشح جاد.

فالوعد الانتخابي القابل للتنفيذ يجب أن يكون مصحوباً بثلاثة أرقام واضحة:

كم يبلغ عدد المغاربة الذين تتجاوز أعمارهم 65 سنة؟

كم منهم يستعملون حالياً وسائل النقل العمومي؟

وكم ستكلف مجانية تنقلهم سنوياً؟

ثم يأتي السؤال الرابع: من سيدفع؟

الدولة؟ الجهات؟ الجماعات؟ صندوق خاص بالتنقل؟ أم مزيج من هذه المصادر؟


المغرب يستثمر أصلاً بشكل كبير في تحديث النقل الحضري، ويتضمن البرنامج الوطني للفترة 2025-2029 اقتناء آلاف الحافلات الجديدة، بتمويل عمومي مهم.


لذلك يمكن طرح السؤال بطريقة مختلفة :

لماذا لا نجعل تنقل كبار السن جزءاً من هذه السياسة الوطنية الكبرى لتحديث النقل العمومي؟


مقترح يستحق أن يدخل إلى النقاش الانتخابي


في نهاية المطاف، يمكن لمجانية النقل بالنسبة لمن تجاوزوا 65 سنة أن تتحول من مجرد شعار انتخابي إلى مقترح يحمل رؤية اجتماعية أوسع.


فهي تقول شيئاً عن المجتمع الذي نريد أن نبنيه.

مجتمعاً لا يعني فيه التقدم في السن تضييق مساحة الحياة شيئاً فشيئاً.

مجتمعاً لا يحكم فيه المعاش المحدود على صاحبه بالبقاء داخل البيت.

مجتمعاً لا يتوقف فيه الذهاب إلى الطبيب، أو زيارة الأبناء، أو ركوب الترامواي، أو الذهاب إلى السوق، أو حتى ممارسة الحق في التصويت، على وجود بضعة دراهم في الجيب.


فماذا لو كانت الرسالة الحقيقية لانتخابات 23 شتنبر 2026 ليست مجرد تقديم شيء لكبار السن، وإنما ضمان شيء أساسي لهم: حقهم في مواصلة الحركة؟


طبعاً، بشرط أن يكون هذا الوعد مصحوباً بتمويل واضح وشفاف، وجدول زمني محدد، وآلية دقيقة لتعويض شركات النقل.

لأن مجانية معلنة تظل وعداً انتخابياً.

أما مجانية ممولة، ومنظمة، ومطبقة فعلياً، فتتحول إلى سياسة عمومية حقيقية.