مجتمع وحوداث

هل أنا هو أنا ومحمد الفايد هو محمد الفايد؟

أحمد الدافري (إعلامي)

وأنا أتصفح في حسابي هذا بعض ما يظهر عندي في fil d"actualités صادفت تدوينة قصيرة للسيد محمد الفايد مر عليها أسبوع، كتب فيها :

"أنا لست أنا.

أنا الحقيقي لا يراه الناس.. لا يراه إلا أنا والخالق.. أنا لست أنا الذي ترونه".


أعجبتني كثيرا هذه التدوينة. 

بل إنني أؤمن بها جزئيا وليس كليا. 


أنا لست أنا.

بالنسبة لي، هذه العبارة تعكس بعدا عميقا في علم النفس والروحانيات، وتلمس حقيقة إنسانية يتشارك فيها الكثير من الناس، تتمثل في تلك الفجوة ااموجودة بين الذات الظاهرية التي نصنعها للتعامل مع الناس وبين الذات الحقيقية التي لا يعرفها إلا الشخص وخالقه.


في علم النفس وتحديدا عند عالم النفس السوبسري كارل يونغ، يُسمى المظهر الخارجي الذي نُقدّمه للعالم بـ "القناع" (يسميه يونغ Persona وهي كلمة ذات أصل لاتيني).


 هذا القناع يتشكل من خلال مهنتنا، ألقابنا، وتوقعات المجتمع منا. 

مثل صورة الدكتور، أو المفكر، أو الأب. 


هذه العبارة هي إعلان بأن هذا القناع الاجتماعي لا يُمثّل جوهر الإنسان الحقيقي، بل هو فقط غلاف خارجي.


أنا الحقيقي لا يراه الناس.

نعم.


البشر يحكمون عادة عليك بناءً على مظاهر مادية، أو تصريحات في سياقات معينة، أو مواقف مجتزأة.

لكن الذات الحقيقية تشمل الأحلام، المخاوف، النوايا، والآلام التي لا نطلع عليها أحدا، وهي أعمق بكثير من أن تُختزل في صورة يراها الآخرون بشكل نمطي.


أنا أحمد ..

قد يأخذ عني البعض صورة على أساس أنني مثلا شخص خدوم، يعيش حياة مبسورة، ولديه علاقات جيدة مع محيطه الاجتماعي.

وقد يفكر البعض مثلا في أن يلجأ إلي عند الحاجة، بينما قد تكون حقيقتي أنني نفسي لا أرضى إطلاقا أن ألجأ لأي أحد، وإن فعلت ذلك أفعله وأنا جد محرج، وواضع قصديرة فوق وجهي يتصبب العرق من تحتها. 


لا يراه إلا أنا والخالق.


 تحمل هذه العبارة بعدا صوفيا وروحيا نابعا من مفهوم الإخلاص والسريرة.


 في المنظور الروحي هناك منطقة في قلب الإنسان لا يطلع عليها إلا الله، وهي محل النوايا والعبادات القلبية. 


نعم.

أنا الحقيقي لا يراني إلا أنا والخالق. 


وقيمتي الحقيقية هي ما يعلمه الله عني في خلوتي، وليس هي ما يراني عليه الناس فيمدحونني أو يذمونني بناء عليها.


كل هذا جيد...


لكن الإنسان هو مجموع أفعاله.

قالها جون بول سارتر. 


أنت تمارس الخبث معي في الخفاء وتنافقني في الظاهر. إذن أنت هو أنت كما أكتشفك، حتى لو حاولت أن تخفي طبيعتك.

وهنا سأجد نفسي إزاء مبدأ وجودي صارم يتمثل في أنه لا توجد ذات حقيقية مخفية تعفيك من مسؤولية ما تفعله في الواقع. 


من هذا المنطلق الوجودي السارتري، إذا تصرف شخص بخبث أو نفاق معي، فهو خبيث ومنافق، ولا يحق له أن يتحجج قائلاً: "أنا طيب في عمقي وفي سريرتي لكن ظروفي جعلتني أنافق". 


 هذا الهروب يسمى عند سارتر "الوعي الزائف (Mauvaise foi)، حيث يكذب الإنسان على نفسه ليتهرب من حقيقة أفعاله.


من منظور أخلاقي واجتماعي عملي، نحن لا نتعامل مع نوايا الناس المخفية بل مع أفعالهم المؤثرة علينا.

 الخبث الخفي والنفاق الظاهر يُحدد حقيقة الشخص في عالم الواقع.

وهذا ما كان.