سياسة واقتصاد

تظاهرات مدريد المؤيدة لسبتة ومليلية المحتلتين.. عندما تتغول ثقافة الاستعمار والعنصرية ضد المغرب

محمد الغاشي (أستاذ التعليم العالي جامعة عبد المالك السعدي بتطوان)

إليك المقال بعد تصحيح الأخطاء الإملائية واللغوية دون المساس بالمحتوى أو الأسلوب:

التقديم

إن ما حدث أمس بمدريد يتجاوز مجرد مظاهرات لإسبان يعلنون تضامنهم مع سبتة؛ فالمسألة أعمق من ذلك بكثير، إذ تحولت من نزاع ترابي تاريخي إلى أداة لإعادة إنتاج المخيال الاستعماري وصناعة صورة المغرب باعتباره «تهديداً» لإسبانيا.

وحسب المعطيات الراهنة، فإن الموضوع أصبح أكثر خطورة، ووصل إلى حد تمزيق راية المغرب وترديد شعارات عنصرية؛ ففي 2 شتنبر 2026 شهدت مدريد تجمعاً كبيراً في ساحة سيبيليس، قُدّر عدد المشاركين فيه بنحو 50 ألف شخص وفق مندوبية الحكومة، ضمن تحركات في أكثر من 260 بلدية إسبانية، تحت شعار الدفاع عن «إسبانية سبتة» والاحتجاج على تدبير الحكومة لأزمة الهجرة.

سبتة ومليلية في مدريد: عندما يستيقظ المخيال الاستعماري

1. من «الدفاع عن سبتة» إلى صناعة صورة المغرب كخطر

ينبغي بداية التمييز بين حق المواطنين في التظاهر والتعبير عن موقفهم السياسي، وهو حق ديمقراطي لا يمكن إنكاره، وبين المضمون السياسي والخطابي لبعض الشعارات التي تحول المغرب فيها من دولة جارة إلى «عدو محتمل». إن المشكلة ليست في أن يعلن إسباني أنه يعتبر سبتة إسبانية؛ فهذا موقف سياسي معروف ومعلن للدولة الإسبانية. المشكلة تبدأ عندما تُبنى حول هذا الموقف سردية كاملة تقوم على التخويف من المغرب، والهجرة المغربية، والمسلمين، وربطها جميعاً بفكرة «الغزو» أو «الاجتياح». ومن هنا تصبح المظاهرة أكثر من مجرد تعبير عن الانتماء الوطني لتصبح جزءاً من إنتاج المخيال الاستعماري الجديد. وقد ظهرت بالفعل في الاحتجاجات الأخيرة عبارات تتحدث عن «الغزو» و«الاحتلال»، فيما ربط بعض المشاركين بين سبتة ومليلية ومخاوف من امتداد الأزمة إلى مناطق إسبانية أخرى.

2. الاستعمار لا ينتهي دائماً بخروج المستعمر

إن الاستعمار ليس فقط احتلال الأرض وإدارة السكان، إنه أيضاً نظام من التصورات: من يملك الحق في الأرض؟ من هو «الأصيل»؟ من هو «الدخيل»؟ من هو الأوروبي؟ ومن هو الإفريقي؟ من هو صاحب السيادة؟ ومن يُفترض فيه أن يبقى خارج الحدود؟ وبهذا المعنى، فإن استمرار سبتة ومليلية تحت الإدارة الإسبانية بعد انتهاء الاستعمار في معظم شمال إفريقيا لا يمثل فقط قضية حدودية، وإنما يطرح إشكالية بقايا الاستعمار الأوروبي في المجال المتوسطي.

فالمغرب يعتبر المدينتين جزءاً من ترابه، بينما تؤكد إسبانيا أنهما جزء من سيادتها ومن الاتحاد الأوروبي. وقد جددت مدريد في غشت 2026 رفضها القاطع للمطالب المغربية بشأن المدينتين.

3. من الاستعمار القديم إلى «الاستعمار الذهني»

والأكثر إثارة للاهتمام هو أن بعض الخطابات السياسية والإعلامية الإسبانية لا تحتاج اليوم إلى وجود إدارة استعمارية جديدة لكي تستعيد منطق الاستعمار، بل يكفي أن تقول: «نحن في أوروبا، وهم في إفريقيا.»

ثم تُبنى على هذه الثنائية مجموعة من الأحكام:

أوروبا تعادل: النظام، الديمقراطية، الأمن، الحضارة.

مقابل: إفريقيا تعادل الهجرة، الفوضى، الفقر، الضغط الديموغرافي، التهديد الأمني. ومن هنا تتحول الجغرافيا إلى تراتبية حضارية. وهذه هي النقطة التي ينبغي عندها الحذر في استعمال مفهوم العنصرية الاستعمارية، لا باعتباره شتيمة سياسية، وإنما باعتباره نمطاً من التفكير يقوم على اختزال الآخر في أصله الجغرافي أو العرقي أو الديني.

4. أزمة الهجرة: كيف تحولت إلى «أزمة سيادة»؟

إن الأحداث الأخيرة في سبتة تقدم مثالاً صارخاً على ذلك؛ ففي نهاية يوليوز 2026 دخل عشرات الآلاف من المهاجرين إلى سبتة في أزمة غير مسبوقة، وأصبحت القضية منذ ذلك الوقت موضوعاً لصراع سياسي حاد داخل إسبانيا. لكن الخطاب السياسي لم يبقَ محصوراً في سؤال: كيف تدير إسبانيا أزمة الهجرة؟ بل انتقل إلى سؤال أكثر حساسية: هل المغرب يستخدم الهجرة للضغط على إسبانيا؟ وهذا ما أدى إلى حدوث تحول خطير: فمن مشكلة هجرة إلى مشكلة أمن قومي، ومن أزمة إنسانية إلى أزمة سيادة، ومن مهاجر إلى «غازٍ».

وهذه النقلة في اللغة السياسية ليست بريئة؛ فاللغة تصنع الواقع السياسي بقدر ما تصفه.

5. مدريد و«المغرب كعدو»

إن التجمعات الأخيرة في مدريد تكشف أيضاً عن ظاهرة أخرى: توظيف قضية سبتة ومليلية في الصراع الداخلي الإسباني. فالمظاهرة التي نظمت في مدريد لم تكن فقط حول سبتة، فقد أصبحت أيضاً مناسبة لمهاجمة حكومة بيدرو سانشيز، وشارك فيها قادة من الحزب الشعبي و«فوكس»، وفق التقارير المنشورة حول الحدث. وهو ما يفرض طرح السؤال التالي: هل أصبحت سبتة ومليلية ورقة في السياسة الداخلية الإسبانية؟ وفي التقدير، نعم وإلى حد كبير؛ فكلما احتدمت المنافسة بين اليمين واليسار، يمكن قضية الحدود والهجرة أن تحول إلى أداة تعبئة انتخابية، ويصبح المغرب في هذه الحالة «الآخر الخارجي» الذي يساعد على توحيد جمهور سياسي داخلي. ومن هنا تظهر خطورة تسييس العلاقات المغربية الإسبانية.

6. «الغزو» كلمة سياسية وليست بريئة

من أخطر المفاهيم التي بدأت تظهر في الخطاب حول سبتة هو مفهوم الغزو؛ فالْمُهَاجِر يصبح في هذه الحالة: «مهاجراً - خطراً - غازياً». وهذه معادلة تختزل الإنسان في وظيفته الأمنية. والأخطر أنها تستحضر بصورة غير مباشرة الذاكرة التاريخية للحروب بين المسلمين والمسيحيين في شبه الجزيرة الإيبيرية، مما يجعل القضية تتحول إلى إعادة إنتاج ثنائية: المغربي/المسلم مقابل الإسباني/الأوروبي. وهذه الثنائية بالذات هي التي ينبغي تفكيكها أكاديمياً، لأنها قد تعيد إحياء عناصر من الاستشراق السياسي والمخيال الاستعماري.

7. المفارقة التاريخية الكبرى

إن إسبانيا تنظر إلى سبتة ومليلية باعتبارهما حدوداً أوروبية في إفريقيا، لكن التاريخ يقول إن المدينتين تقعان جغرافياً على الساحل المغربي، وأن وجود إسبانيا فيهما يعود إلى مراحل تاريخية سابقة على نشوء الدولة الوطنية المغربية الحديثة. ومن هنا تأتي صعوبة الملف؛ فالمغرب يستند إلى الجغرافيا، التاريخ، الذاكرة الوطنية، وتصفية الاستعمار، بينما تستند إسبانيا إلى الاستمرارية التاريخية للسيادة، السكان الحاليين، القانون الدستوري الإسباني، وعضوية الاتحاد الأوروبي. وبالتالي، فإن الحل لا يمكن أن يكون بمجرد تبادل الشعارات.

8. هل نحن أمام «استعمار جديد»؟

إنه ليس من السليم علمياً القول إن كل إسباني يدافع عن إسبانية سبتة أو مليلية هو «عنصري» أو «استعماري»، لكن يمكن القول إن بعض الخطابات السياسية والإعلامية حول سبتة ومليلية تستعيد عناصر من الثقافة الاستعمارية، خصوصاً عندما تقوم على نزع الشرعية عن المطالب المغربية، أو تصوير المغرب باعتباره تهديداً حضارياً، أو ربط المغربي والمسلم والهجرة بصورة «الغزو». وهذا أكثر قوة من إطلاق اتهام عام بالعنصرية.

9. المفارقة الإسبانية

إذا كانت إسبانيا تعتبر سبتة ومليلية جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، فلماذا تحتاج قضية المدينتين باستمرار إلى تعبئة وطنية استثنائية؟ ولماذا تتحول الحدود المغربية الإسبانية إلى فضاء دائم للخوف؟ ولماذا تصبح كل أزمة هجرة مناسبة لاستدعاء سؤال «الدفاع عن إسبانيا»؟ وهذا يعني أن المسألة ليست محسومة في الوعي السياسي الإسباني كما تبدو محسومة في الخطاب الرسمي؛ فلو كانت المسألة مجرد حدود إدارية عادية، لما احتجت إلى هذه الدرجة من التعبئة الرمزية.

10. المغرب أمام امتحان جديد

المغرب بدوره مطالب بالخروج من رد الفعل؛ فلا يكفي أن يقول: «سبتة ومليلية مغربيتان»، بل يحتاج إلى بناء دبلوماسية معرفية متكاملة تشمل: إعادة بناء الملف التاريخي للمدينتين، دراسة وثائق الاحتلال الإسباني دراسة أكاديمية، إنتاج خرائط تاريخية موثقة، توثيق وضع السكان المغاربة تاريخياً، دراسة القانون الدولي وتصفية الاستعمار، التواصل مع الجامعات ومراكز البحث الأوروبية، التوجه إلى الرأي العام الإسباني وليس فقط إلى الحكومة، التفريق بين المجتمع الإسباني والسياسات الرسمية، مواجهة خطاب الكراهية دون إنتاج خطاب كراهية مضاد، وتحويل القضية من صراع قومي إلى سؤال تاريخي وقانوني وأوروبي.

11. المعركة الحقيقية هي معركة الذاكرة

إن المغرب لا يخوض فقط معركة حول الأرض، إنه يخوض أيضاً معركة حول: من يكتب تاريخ الأرض؟ فإذا ترك المغرب كتابة تاريخ سبتة ومليلية للخطاب الإسباني وحده، فإن الأجيال المقبلة ستجد أمامها رواية واحدة. أما إذا أنتج المغرب بحثاً تاريخياً رصيناً، متعدد اللغات، وموثقاً بالأرشيف الإسباني والمغربي والأوروبي، فإن النقاش ينتقل من: «المغرب يريد سبتة ومليلية» إلى «ما التاريخ الحقيقي لسبتة ومليلية؟ وكيف أصبحتا جزءاً من المجال الاستعماري الأوروبي؟ وما مستقبل هذا الإرث في القرن الحادي والعشرين؟»

في الخلاصة، إن مظاهرات مدريد الأخيرة لا ينبغي قراءتها فقط باعتبارها احتجاجات تضامنية مع سبتة أو احتجاجاً على أزمة الهجرة؛ إنها تكشف عن ثلاثة مستويات متداخلة:

 * أزمة الهجرة والأمن والحدود.

 * الصراع السياسي الداخلي الإسباني.

 * الثالث والأعمق: استمرار حضور الذاكرة الاستعمارية والمخيال الاستعماري في النظر إلى المغرب وشمال إفريقيا.

لكن الرد المغربي الأقوى ليس الانفعال ولا تبادل الاتهامات، وإنما إعادة بناء القضية معرفياً وتاريخياً وقانونياً وأخلاقياً. فإذا كانت إسبانيا تستطيع أن تعبّئ الشارع دفاعاً عن «إسبانية سبتة»، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه المغرب على نفسه هو: هل يمتلك المغرب اليوم خطاباً تاريخياً ودبلوماسياً وإعلامياً قادراً على شرح قضية سبتة ومليلية للعالم، لا للمغاربة وحدهم؟