رأي

كمال الهشومي: حين قال الملك الراحل الحسن الثاني: "يمكنني أن أعين سائقي وزيرا أول"

(أستاذ جامعي/ عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي)

لا يمكن فهم دلالة هذه المقولة للمرحوم الملك الحسن الثاني إلا بربطها بالنظام الدستوري الذي كان قائما آنذاك، والسياق السياسي الذي رافق المحاولة الأولى لإقامة حكومة تناوب بقيادة المعارضة (دون الدخول في تسلسل الأحداث وتفاصيلها). وفي أعقاب ذلك، فتح حوار سياسي أفضى سنة 1994 إلى أول محاولة لتشكيل حكومة تناوب بمشاركة أحزاب الكتلة الديمقراطية. غير أن المفاوضات تعثرت لأسباب سياسية ومؤسساتية متعددة، كان أبرزها تمسك الملك الراحل باستمرار إدريس البصري على رأس وزارة الداخلية، في وقت كانت فيه المعارضة تعتبر إصلاح الإدارة الترابية وضمان نزاهة الانتخابات من الشروط الأساسية لأي تناوب ذي مضمون ديمقراطي.

أما من الناحية الدستورية، فقد كان الفصل 24 من دستور 1992 ينص على أن: "يعين الملك الوزير الأول، ويعين باقي أعضاء الحكومة باقتراح من الوزير الأول".

وبذلك كان تعيين الوزير الأول اختصاصا ملكيا غير مقيد دستوريا بنتائج الانتخابات، ولا بوجوب الاختيار من الحزب المتصدر لها. ومن ثم، لم تكن المقولة المنسوبة إلى الحسن الثاني مجرد موقف ظرفي من مفاوضات التناوب، وإنما كانت تلخيصا مكثفا لطبيعة السلطة التقديرية التي كان يقررها دستور 1992 في هذا المجال. 

أما دستور 2011 فقد غير هذه القاعدة، إذ أوجب الفصل 47 تعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب فقد جاءت تعبيرا عن طبيعة الاختصاص الذي كان يقرره دستور 1992 في مجال تعيين الوزير الأول؛ إذ كان الفصل 24 يسند إلى الملك سلطة التعيين دون أن يقيدها بنتائج الانتخابات التشريعية أو بضرورة الاختيار من الحزب المتصدر لها. ولم تكن المقولة، بهذا المعنى، مجرد تعبير سياسي عابر، بل كانت تلخيصا مكثفا لمنطق دستوري قائم آنذاك، قبل أن يتطور البناء الدستوري المغربي، تحت تأثير مسلسل الانتقال الديمقراطي وتراكم الإصلاحات، وصولا إلى دستور 2011 الذي أعاد تنظيم هذا الاختصاص وربطه صراحة بالإرادة الانتخابية.

ومن هذه الزاوية، تبدو السرديات التي توزع مسبقا صفات الوزراء ورئاسة الحكومة، أو تدعي امتلاك معرفة سابقة بمآلات التعيين، مجرد محاولة لاستباق إرادة الناخبين والتشويش على الترتيب الدستوري للمراحل. فالملك، بصفته رئيس الدولة وممثلها الأسمى ورمز وحدة الأمة وضامن دوام الدولة واستمرارها والحكم الأسمى بين مؤسساتها، والمؤتمن على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات، لا يشارك في التنافس الانتخابي ولا يصنع نتائجه، وإنما ينتظر صدور النتائج الرسمية عن الجهات المختصة، ثم يمارس الصلاحية المحددة في الفصل 47 بما يحول الاختيار الشعبي إلى أثر مؤسساتي.

لذلك، دستوريا لا يوجد قبل الاقتراع تسمية شخصية لرئيس حكومة مفترض، ولا وزراء معينون سلفا، ولا نتائج يمكن إضفاء الصفة الدستورية عليها خارج صناديق الاقتراع والإعلان الرسمي عنها. جميع الأحزاب والمرشحين يقفون، من الناحية القانونية، على قدم المساواة أمام الناخبين، والتنافس يظل مفتوحا إلى أن تقول الهيئة الناخبة كلمتها. أما التعامل مع مواقع المسؤولية الحكومية باعتبارها محسومة قبل الانتخابات، فلا يمثل مجرد خطاب دعائي؛ بل ينطوي على انتقاص من حرية الاختيار، ومن الأثر الدستوري للانتخابات، ومن جوهر المنهجية الديمقراطية التي كرسها دستور 2011.