يُقدر عدد تجار القرب (التجارة الداخلية بالتقسيط) في المغرب بحوالي مليون و300 ألف تاجر، مما يجعل هذا القطاع ثاني مُشغِّل على الصعيد الوطني بعد قطاع الفلاحة، حيث يُسهم التجار الصغار بنسبة تصل إلى نحو 80% من السوق الوطنية لتجارة القرب.
وتشكل تجارة القرب نظاما متكاملا ومحرّك لشرايين الاقتصاد الوطني. إذ لا يمكن اختزال دكان الحي في نقطة بيع معزولة؛ فهو حجر الزاوية في منظومة اقتصادية مترابطة ومتكاملة تضمن دوران عجلة الاقتصاد المحلي والوطني على نطاق واسع. ومن ذلك:
- شبكة الموزعين الكبار وتجار الجملة: يعتمد الآلاف من تجار الجملة وأسواق التوزيع الكبرى على دكاكين القرب لتصريف بضائعهم وسلعهم، مما يجعل انهيار الحانوت ضربة موجعة لقطاع التجارة برمتها ومورديها.
- خدمات النقل واللوجستيك: ترتبط آلاف حركات النقل الخفيف وشبكات التوصيل المحلي بتزويد هذه الدكاكين بالسلع اليومية، مما يشكل سوق شغل حيوي لقطاع النقل.
- مؤسسات التمويل والخدمات المالية: تشكل قروض ودعم المقاولات الصغرى والخدمات البنكية الرقمية والتقليدية المرتبطة بها جزءاً أساسياً من الدورة المالية التي تستفيد منها الأبناك ومؤسسات التمويل الأصغر.
- الخدمات ذات الصلة: تشمل قطاعات التغليف، صيانة التجهيزات، وتوفير الخدمات المعاشية المتعددة التي تقتات بشكل مباشر من استمرارية هذا القطاع الحيوي.
كما أن لتجارة القرب أدوارا اجتماعية واقتصادية وأمنية. فالحانوت مؤسسة مجتمعية متكاملة تحقق توازنات عميقة:
- تحقيق عدالة توزيع الثروة: يساهم قطاع تجارة القرب في التوزيع العادل للدخل الوطني وقطع الطريق أمام تركزه في أيدي قلة قليلة من أصحاب رؤوس الأموال الكبرى؛ فكل دكان يمثل وحدة اقتصادية مستقلة تعيل عائلة وتعيد ضخ مداخيلها مباشرة في الاقتصاد المحلي.
- دعم الاستقرار الجهوي والحد من الهجرة: يشكل قطاع تجارة القرب قاعدة معيشية تستوعب آلاف الأسر القادمة من الأقاليم القروية والجبلية والصحراوية، ضامناً دخلاً قارّاً يثبتهم في مناطقهم الأصلية.
- حماية القدرة الشرائية: تتيح هذه الدكاكين اقتناء السلع بالتقسيط المجهري والكميات اليومية البسيطة التي تتناسب مع ميزانية الطبقات الهشة، إلى جانب نظام "الكريدي" والأداء المؤجل الذي ينقذ الأسر المعوزة وقت الأزمات.
- الأمن والرصد المجتمعي: يضطلع "مول الحانوت" بدور أمني غير رسمي بحكم تواجده الميداني الدائم ومعرفته الدقيقة بوجوه الحي وحركيته.
- العمل الاجتماعي والتضامني: يشكل المحل فضاءً حياً لإخراج الزكاة والصدقات وتوجيهها مباشرة لفقراء الحي والمحتاجين، فضلاً عن التسامح المالي مع العاجزين في الظروف الصعبة.
- التواصل المجتمعي والدفء الإنساني: يمثل الملتقى اليومي لتبادل الأخبار والاطمئنان على الأحوال، صانعاً لحمة مجتمعية تفتقدها تماماً المتاجر الباردة والآلية.
وعلى مدى أكثر من عقد، أُطلقت عدة برامج لدعم هذا القطاع، بدءاً من برنامج "رواج" الذي تعثرت أهدافه لأسباب متعددة، وصولاً إلى الاستراتيجية الجديدة "تجارة المغرب 2030" الموجهة لهيكلة وتحديث قطاع التجارة الداخلية، لا سيما تجارة القرب، عبر التحديث التقني، الرقمنة، والتحصين الاجتماعي والجبائي.
غير أن زحف نموذج استهلاكي جديد والمتمثل في سلاسل المتاجر الكبرى والمتاجر العصرية داخل الأحياء الشعبية والأزقة الضيقة، يضع نحو مليون ونصف مليون تاجر وعائلاتهم أمام تهديد حقيقي، مهدداً بنسف أحد أهم أعمدة النسيج الاقتصادي والاجتماعي للبلاد عبر:
- التكاثر الهندسي للفروع: افتتاح مئات الفروع الجديدة سنوياً وبوتيرة متسارعة داخل التجمعات السكنية المكتظة.
- الاختراق المجالي للعمق الشعبي: توغل هذه السلاسل داخل الأزقة الشعبية بدل الاكتفاء بالمحاور الكبرى، مما أدى إلى محاصرة الحانوت المحلي.
- الفارق الهائل في القدرات التمويلية: مواجهة غير متكافئة بين شبكات رأسمالية عملاقة ومقاولات عائلية هشة تعتمد على رأس مال ذاتي محدود.
وبالرجوع إلى تجارب دولية نجد أن دولا عدة عمدت إلى إرساء تشريعات صارمة لحماية تجارة القرب، منها:
- كوريا الجنوبية: إقرار "قانون تطوير صناعة التوزيع" الذي يفرض مسافات إبعاد تصل إلى كيلومتر كامل عن الأسواق التقليدية وأيام إغلاق إجبارية.
- فرنسا: إخضاع مشاريع المتاجر الكبرى لجان إقليمية متخصصة لدراسة وتدقيق تأثيرها المحلي قبل منح التراخيص.
- إندونيسيا: فرض مسافات فاصلة قانونية وإلزامية بين المتاجر العصرية المصغرة ودكاكين الأحياء لمنع الاحتكار.
- إسبانيا، السنغال، وجنوب إفريقيا: تجارب دولية وإفريقية متعددة تؤكد الإجماع العالمي على حماية تجارة القرب باعتبارها خطاً أحمر للأمن الاجتماعي.
وهنا تجدر الإشارة بوضوح إلى أن هذا الموقف لا يعادي المتاجر العصرية أو يرفض التحديث؛ فهي تمثل إضافة نوعية لعصرنة المشهد التجاري الوطني، وتوفر آلاف فرص الشغل، وتقدم خدمات حيوية لشرائح واسعة من المستهلكين. لكن الإشكال الجوهري يكمن في غياب التأطير الذي يحولها من رافعة للتحديث إلى أداة تدمير لاقتصاد القرب. فالهدف المنشود ليس إقصاء هذه السلاسل، بل إرساء قواعد تنظيمية تضمن أن تكون مكملة لتجارة القرب وليست مدمرة لها.
فالمغرب في حاجة إلى حلول تشريعية وتنظيمية لحفظ التوازن وضمان منافسة عادلة. ونذكر منها:
- تحديد المواقع في الشوارع الرئيسية: منع المتاجر الكبرى وسلاسل التخفيضات نهائياً من التوغل داخل الأزقة الضيقة والأحياء السكنية الداخلية.
- تقييد الكثافة التجارية: وضع سقف صارم لا يتجاوز متجراً عصرياً واحداً لكل حي أو مجمع سكني منعاً للاحتكار والهيمنة.
- فرض مسافة أمان قانونية: اشتراط مسافة فاصلة كبيرة بين أي متجر عصري جديد وأقرب دكان تقليدي.
- مراقبة إعلانات التخفيضات: إخضاع الحملات الترويجية والخصومات لرقابة دقيقة لتكون موسمية ومؤقتة وليست دائمة على مدار السنة.
وإلى جانب هذه الإجراءات المستعجلة، بات لزاماً التعجيل بتنزيل برامج مرنة للدعم والتحديث تشمل:
- تجويد المعروضات ومعايير السلامة: رفع جودة الخدمات داخل دكاكين القرب من خلال الالتزام الصارم بشروط حفظ المواد الغذائية وتواريخ الصلاحية، وتطوير أساليب عرض السلع، والارتقاء بطرق استقبال الزبناء وتحديث واجهات المحلات لتعزيز ثقة المستهلك.
- إحداث صندوق وطني للدعم المالي: لرصد اعتمادات مالية تساهم في تحمل جزء مهم من تكاليف تحديث وتأهيل المحلات التجارية.
- إصلاح غرف التجارة والصناعة والخدمات: الحسم في تأهيل هذه المؤسسات لتضطلع بدورها الحقيقي كإطارات تمثيلية وتأطيرية لمواكبة تجار القرب.
- حلول الدفع الرقمي والتواصل الذكي: تعميم استخدام وسائل الأداء الإلكتروني وتسهيل اعتمادها في المعاملات اليومية البسيطة.
- أنظمة التدبير الذكي والمبسط: توفير برامج معلوماتية وتطبيقات هاتفية مصغرة لتسيير المخزون وتتبع المبيعات لمساعدة التاجر على الانتقال نحو الاحترافية.
- برامج الدعم والتكوين المستمر: إطلاق مبادرات حكومية ومحلية بشراكة مع الغرف المهنية لتكون شاهداً على رفع كفاءة التسويق والخدمات.
إن تحصين تجارة القرب بحمايتها وتطويرها ليس ترفاً، بل هو خيار استراتيجي لا محيد عنه لصيانة لقمة عيش ملايين الأسر، وتحقيق عدالة اقتصادية، والحفاظ على الأمن المجتمعي والتضامني في البلاد.






