وأنا أتابع خطابكم الانتخابي اليوم، عاد بي الكلام إلى مداخلتي أمامكم أثناء مناقشة مشروع قانون التصفية؛ يوم كان النقاش حول الضرائب وموارد الدولة، لا حول الوعود الانتخابية.
حينها، رفعتم حاجبكم وقلتم:
«الدولة خاصها تاخذ رزقها.»
وحين نبهتُ إلى أن ما نراكمه من اختيارات مالية والتزامات يرهن الأجيال المقبلة، جاء ردكم:
«اللي غادي يجي من بعدنا، يشوف شنو غادي يدير.»
لم أتوقف يومها عند نبرة الجواب، بل عند ما تختزنه عبارتان قصيرتان من تصور كامل: الدولة لها رزقها، والمستقبل له من يأتي بعدنا ليتدبره.
أما اليوم، وأنتم تقدمون حصيلة حكومة كنتم مسؤولاً فيها عن الميزانية، فقد عاد المواطن إلى واجهة الكلام: القدرة الشرائية، غلاء اللحوم، وما ينبغي فعله حتى لا يصل ثمنها إلى 150 أو 160 درهماً.
وهنا لا أبحث عن تناقض لفظي، بل عن المسافة بين خطاب المسؤول حين يدبّر المال العام، وخطابه حين يطلب ثقة المواطن.
فالمواطن الذي يظهر اليوم في مقدمة الخطاب الانتخابي، هو نفسه الذي كان بالأمس في الطرف الآخر من المعادلة الجبائية: مطلوباً منه أن يؤدي، لأن «الدولة خاصها تاخذ رزقها».
فمتى كان رزق المواطن حاضراً في حسابات من يتولى تدبير موارد الدولة، لا فقط في خطاب من يطلب ثقته؟
ثم إن المال العام لا يختزل في الأرقام التي تُعرض أو تُقرأ في الجلسات؛ وراءه دين والتزامات، وحسابات وصناديق خاصة، وموارد استثنائية، وأموال موجهة للكوارث، وموارد زلزال الحوز.
وهذه ليست هوامش في دفتر الميزانية، ولا أرقاماً معلقة في الهواء؛ إنها أموال عمومية، وقرارات مالية، ومسارات إنفاق، وآثار ستصل إلى المواطن وإلى الأجيال التي ستأتي بعدنا.
ومن حق المواطن، بل من واجبه، أن يسأل:
أين ذهبت؟ كيف دُبّرت؟ وماذا تركت لنا؟
فالضريبة التي تُحصّل من جيب المواطن ليست رقماً محايداً في جدول مالي؛ إنها جزء من رزقه، من دخله، ومن قدرته على مواجهة كلفة الحياة.
ولهذا، حين تقول الدولة:
«خاصها تاخذ رزقها.»
يحق للمواطن أن يسأل، بالقدر نفسه من الجدية:
«وفيناهوا رزقي أنا؟»
أين نصيبه من مدرسة جيدة؟
من صحة متاحة؟
من شغل كريم؟
ومن قدرة فعلية على مواجهة كلفة العيش؟
فالمواطن لا يطلب أن تعود إليه أمواله في خطاب انتخابي، بل أن يرى أثر ما يدفعه في الدولة التي يدفع لها.
واليوم، وأنت تتحدث عن هذا المواطن في موسم انتخابي، لا أملك إلا أن أتذكر ما قيل يوم كانت الأرقام بين أيديكم، وأن أضع السؤال في مكانه الطبيعي:
هل تغيّر واقع المواطن فعلاً، أم أن المواطن نفسه أصبح يُرى من زاوية مختلفة عندما اقترب موعد طلب صوته؟
فالمسؤولية لا تُقاس فقط بما نقوله ونحن في السلطة، ولا بما نعد به ونحن نطلب ثقة الناس.
المسؤولية تُقاس أيضاً بما يبقى بعدنا.
ولهذا، ربما يكون السؤال الأصدق في نهاية كل ولاية:
ليس فقط: «حنا درنا لي علينا»…
بل: ماذا تركتم لنا؟






