بلاغ رسمي يتّهم فيه الحزب شريكه في الأغلبية، حزب الأصالة والمعاصرة، بعمليات استمالة تستهدف منتخبيه ومسؤوليه، ويعتبر أن هذه الممارسات تمسّ بأخلاقيات العمل السياسي وقواعد التنافس الديمقراطي. ثم تسجيل صوتي تسرّب من نفس الاجتماع، لمداخلة رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي. ثم تصريح لرئيس الحزب تعليقاً على التسريب.
ثلاثة نصوص من مصدر واحد في يوم واحد. وهي تكفي وحدها لتشخيص الحالة.
ومنذ سنة 2012وأنا أستعمل عبارة واحدة لوصف ما نعيشه: رداءة المشهد السياسي. ومدى مساهمة الفاعل السياسي في هذه الرداءة استعملتها قبل انتخابات 2016، وأعدتها قبل 2021 وأستعملها اليوم بحدّة أكبر — لأنني لم أعد أجد ما يصف بدقة ما وصلنا إليه.
فمع كل استحقاق، نكتشف أن لهذه الرداءة أشكالاً جديدة. وفي كل مرة نظن أننا بلغنا القاع، تأتي انتخابات جديدة بإبداعها الخاص في الرداءة. وحين نعترض، تُرمى في وجوهنا نفس الجملة الجاهزة: «هذه هي السياسة».
والشعارات تُرفع في كل حملة — تجديد النخب، فتح المجال أمام الشباب والكفاءات، التنافس حول البرامج، إعادة الثقة. ثم تُطوى بعد الاقتراع بأسبوع، وتُخرَج بعد خمس سنوات كما هي، دون أن يُغيَّر فيها حرف.
ولأقولها منذ البداية حتى لا يلتبس الأمر: لستُ هنا في موقع الدفاع عن حزب ضد آخر، ولا يعنيني من استقطب أكثر، ولا من بدأ، ولا من خسر مرشحين أكثر.
المشكلة أن بيوتهم جميعاً من زجاج، وأن كل واحد منهم يعرف هشاشة بيت الآخر لأنه شارك في بنائه.
هم صنعوا معاً قواعد هذا التنافس، وتقاسموا معاً ثمارها سنوات، ولم يكتشف أحدهم سوؤها إلا حين استُعملت ضده. ولذلك لم يعد الصمت ممكناً، ولا التقليل من خطورة ما يقع مقبولاً. على كل غيور على هذا البلد أن يصيح بأعلى صوته: ما هكذا تُدار السياسة. ولنأخذ النصوص الثلاثة واحداً واحداً.
أولاً: ما يُطبخ في الصالونات
ما يعنينا في التسجيل ليس حدّة اللهجة ولا الاستعارات الكروية التي استُعملت فيه. يعنينا ما ورد فيه بخصوص وزارة الاقتصاد والمالية: رسالة مفادها أن هذه الحقيبة لن تكون من نصيب الوافد الجديد على الحزب المنافس ما دام حزب الاحرار في الحكومة، لأن الوزارة — بحسب ما نُقل حرفياً — «عندها مولاتها». توقّفوا هنا.
نحن على بعد أسابيع من الاقتراع. لم يصوّت مواطن واحد بعد. ومع ذلك يجري الحديث عن توزيع حقيبة سيادية، وعن سيناريوهات الحكومة المقبلة، وعن من يأخذ ماذا.
هذا ليس تسريباً عن خلاف عابر. هو كشف لطريقة اشتغال: هناك ما يُطبخ في صالونات مغلقة، وما يُتفاوض بشأنه بين الأحزاب بعيداً عن الانتخابات وبمعزل عنها. الحقائب تُوزَّع، والخرائط تُرسم، والاتفاقات تُعقد. ثم يأتي يوم الاقتراع ليؤثث الصورة ويمنح كل هذا غطاءً شرعياً.
وحين يكون الردّ أبلغ من التسريب
لم ينتظر الحزب طويلاً. في نفس الليلة خرج رئيسه بتصريح يستحق أن يُقرأ بتمعّن، لأن ما لم يقله فيه لا يقلّ دلالة عمّا قاله.
قال إن المكتب السياسي «فضاء خاص للتعبير الحر عن آراء أعضائه»، وإن من حق كل عضو أن يعبّر بكل حرية، وإن النقاشات تندرج في إطار التداول الطبيعي والمؤسساتي قبل أن تنتهي إلى موقف جماعي رسمي. ثم أعرب عن أسفه لتسريب جزء من هذه النقاشات، وتحدّث عن حرمة الاجتماعات الحزبية وعن الاجتزاء والإخراج عن السياق، وختم بالاحتفاظ بحق اللجوء إلى القضاء ضد كل من تثبت مسؤوليته في التسريب والنشر.
واللافت أن الرد لم يتجه إلى نفي مضمون التسجيل أو الطعن صراحة في صحته، بل انصبّ أساساً على طريقة خروجه إلى العلن، وعلى حرمة الاجتماعات الحزبية والاجتزاء من السياق.
وهو ما يجعل السؤال حول المضمون قائماً بالكامل.
ولا أنازع الحزب في حقه في حماية سرية مداولاته، ولا في حقه في اللجوء إلى القضاء. لكن لنضع الأمور في نصابها: نحن لا نتحدث عن جمعية أو نادٍ خاص. نتحدث عن حزب سياسي يقود الحكومة، يتلقى دعماً من المال العام لأداء وظائفه في التأطير والتكوين والوساطة بين الدولة والمجتمع، ويُلزمه الدستور والقانون التنظيمي للأحزاب بأن تُدار مؤسساته وفق مبادئ الديمقراطية والشفافية.
فحين يدور داخل جهازه التنفيذي نقاش حول مستقبل حقيبة وزارية قبل أسابيع من الاقتراع، هل نحن أمام شأن داخلي تحميه حرمة الاجتماعات؟ أم أمام شأن عمومي بامتياز؟
السرية تحمي حرية النقاش، لا تحمي مضمون القرار حين يمسّ الشأن العام.
ثانياً: والبلاغ الذي غطّى عليه التسريب
والمفارقة أن البلاغ الرسمي الصادر عن نفس الاجتماع مرّ دون أن ينتبه إليه أحد، لأن التسريب غطّى عليه بالكامل. وهو في نظري أهم من التسريب نفسه.
البلاغ يدعو إلى أن تكون الانتخابات المقبلة مجالاً للتنافس حول البرامج والحصيلة والمشاريع، لا سباقاً حول الأشخاص أو استقطاب المرشحين من الأحزاب الأخرى. ويشدّد على أن الكلمة الأخيرة يجب أن تعود إلى الناخبين وإلى صناديق الاقتراع. ويحذّر من أن استمرار هذه الممارسات قد يقوّض ثقة المواطنين في الأحزاب وفي العملية السياسية برمّتها.
كلام سليم مائة في المائة. ولا يمكن لأحد أن يختلف مع حرف واحد منه. لكن لنقارنه بما دار في نفس الاجتماع، في نفس القاعة، في نفس الساعة تقريباً. البلاغ يقول إن الكلمة الأخيرة للناخبين، والمداولات المسرّبة تتحدث عن مستقبل الحقائب قبل أن يصوّت الناخبون. البلاغ يستنكر اختزال التنافس في الأشخاص، والمداولات لا تتحدث إلا عن الأشخاص. البلاغ يدعو إلى التنافس حول البرامج، ولم تُذكر في المداولات — بحسب ما نُشر — كلمة واحدة عن برنامج.
خطابان في يوم واحد: واحد للاستهلاك العمومي، وواحد للاستعمال الداخلي.
ولولا التسريب لما عرفنا إلا الأول. وهذه هي لغة الخشب في أنقى صورها، وهذه هي رداءة المشهد السياسي في أوضح تجلياتها: أن تقول للناس ما يريدون سماعه، وتفعل في الغرفة المجاورة ما لا يريدون رؤيته.
ثالثاً: لم أتفاجأ… وهنا بيت القصيد
سأكون صادقا مع الجميع: لم أتفاجأ بما ورد في التسجيل. فهذا النوع من النقاش ليس غريباً عن اجتماعات المكاتب السياسية، أحببنا ذلك أم كرهنا. هذه هي الحقيقة، ومن يتظاهر بغيرها يجاملنا أو يجامل نفسه. الحديث عن المواقع، وعن موازين القوى، وعن ما بعد الاقتراع — كل ذلك جزء من الممارسة الحزبية عندنا منذ عقود، ولم يبدأ اليوم ولن ينتهي غداً.
المفاجأة ليست هنا. المفاجأة في المستوى. فأن يدور نقاش داخلي حول التحالفات وموازين القوى شيء، وأن ينحدر إلى تناول الأشخاص بلغة لا تليق بموقع من يتكلم ولا بالمؤسسة التي يتكلم باسمها — فذلك شيء آخر تماماً. هنا بالضبط تجاوزت رداءة المشهد السياسي كل المقاييس.
لم نعد أمام خلاف سياسي بلغة سياسية ولو كانت حادة. صرنا أمام إبداع في الرداءة: أساليب جديدة، ومفردات جديدة، ومستوى جديد في التعامل بين من يفترض أنهم شركاء في تدبير شأن هذا الوطن.
ثم يخرج علينا من يقول: «هذه هي السياسة». لنرد عليه بكل مسؤولية لا. هذه ليست السياسة. هذا هدرٌ للسياسة، وإساءة لمن يمارسها بشرف، ولمن ناضلوا سنوات — وبعضهم أدّى ثمناً غالياً — ليكون لهذا البلد عمل سياسي محترم.
ومسألة من يوزّع ومن يقسّم لم تعد سراً على أحد. لسنا في حاجة إلى تسريب لنعرف كيف تُرسم الخرائط ومتى تُحسم الأمور. هذا معروف، وسبق أن كتبتُ فيه مراراً في هذا المنبر وفي غيره.
الجديد أمران: أن الرداءة تجاوزت كل المقاييس المعروفة، وأن هناك من يصرّ على إقناعنا بأن هذا كله طبيعي، وأن من يعترض عليه لا يفهم قواعد اللعبة. وهذا ما لا يمكن السكوت عنه.
رابعاً: وأين البرامج في كل هذا؟
ولنتأمل ما جرى في ذلك اليوم كله: الاجتماع، والبلاغ، والتسريب، والرد، ثم السجال الإعلامي الذي تلاه. لم نسمع كلمة واحدة عن برنامج.
لا عن القدرة الشرائية، ولا عن البطالة، ولا عن حال المستشفيات، ولا عن المدرسة العمومية، ولا عن المديونية، ولا عن العدالة الجبائية، ولا عن الفوارق المجالية. ولا عن أي تصور لما ينبغي فعله في السنوات الخمس المقبلة.
كل ما سمعناه: من انتقل إلى أين، ومن استقطب من، وما مصير هذه الحقيبة أو تلك. وهذا ليس تفصيلاً جانبياً. هذا هو التشخيص كله.
لأن من يملك برنامجاً حقيقياً يدافع عنه ببرنامجه، ولا يحتاج إلى استقطاب «الكائنات الانتخابية». ومن لا يملك، لا يبقى أمامه سوى استقطاب الرصيد الانتخابي جملةً عبر استقطاب أصحابه.
الاستقطاب ليس سبب الأزمة هو عرَضٌ من أعراضها. عرَضٌ من أعراض إفلاس فكري وسياسي عميق. فحين يغيب البرنامج، يصبح الرصيد الانتخابي سلعة، ويصبح المرشح لاعباً له سعر في السوق، وتصبح الحياة الحزبية سوق انتقالات.
وقد استعملت قبل خمس سنوات عبارة «الميركاتو الانتخابي»، وكتبتُ حينها عن أحزاب تعلن دون حرج أنها لن تزكّي إلا أصحاب «الشكارة»، وعن تهافت على استقطاب من يملكون رصيداً انتخابياً ولو كانوا مرتبطين بأحزاب أخرى، فتُعرض عليهم شروط أفضل.
والمفارقة أن من كان يستخفّ بهذا التوصيف يومها، صار اليوم يستعمل نفس القاموس حرفياً: الفيفا، واللاعبون، والاستقدام من الخارج. حين يصبح قاموس سوق الانتقالات هو القاموس الطبيعي لوصف الحياة الحزبية، فذلك لأن الممارسة نفسها صارت كذلك.
ولماذا هذا الغضب بالذات؟ ولماذا الآن؟
ويبقى سؤال يفرض نفسه على كل متتبع، وأطرحه بصيغة الاستفهام لأنني لا أملك جوابه:
الترحال ليس جديداً. والاستقطاب ليس جديداً. والانتقالات بين الأحزاب تجري منذ شهور أمام أعين الجميع، ولم نسمع بلاغاً واحداً ولا مداخلة غاضبة.
فما الذي تغيّر في هذا الأسبوع بالذات؟ هل تغيّرت المبادئ فجأة؟ أم تغيّرت موازين القوى؟
هل نحن أمام يقظة أخلاقية متأخرة؟ أم أمام طرف فوجئ بأن قواعد لعبة شارك في وضعها بدأت تشتغل ضده؟ ولستُ أدّعي معرفة ما دار في الغرف المغلقة. لكن حجم الغضب وتوقيته يسمحان بسؤال آخر:
هل نحن فقط أمام خلاف حول المبادئ، أم أن وراءه أيضاً اختلالاً في توازنات أو تفاهمات سياسية لم تعد تعمل كما كانت؟
وهنا يبدأ السؤال الأصعب: ماذا بقي فعلاً من ميثاق الأغلبية؟ ولماذا انفجر الخلاف حول وزارة المالية بالذات؟ وما الذي يجري، بعيداً عن الأضواء، في الجماعات الترابية؟
ذلك موضوع الجزء الثاني.






