ليس غريباً أن تظل مدينة العرائش أسيرة التهميش التنموي، والركود الاقتصادي، والمعاناة اليومية التي لا تنتهي، بل الغريب والمثير للشفقة حقاً هو حالة "التخدير الجماعي" والشماتة العارمة التي تجتاح الفضاء العام للمدينة كلما أزيح اسم ابن من أبناء الدار عن مسؤولية معينة، أو استبعدت كفاءة عرائشية من مناصب القرار والانتخابات.
إنها سيكولوجية الانتحار الذاتي في أبهى صورها؛ نسيان متكلف، وتغابي جماعي يمارسه شق غير يسير من الساكنة والنخب المحلية، حين يتوهمون أن إقصاء أبناء مدينتهم هو انتصار سياسي أو تصفية حسابات ضيقة، متناسين بجهالة أن هذا الإقصاء تحديداً هو البنزين الذي يغذي نار التهميش التي تحرق الجميع.
تتجلى هذه المأساة في عقدة أزلية مفادها "لا كرامة لنبي في قومه"؛ فبدلاً من دعم الكفاءات المحلية وتشكيل جبهة ضغط ترافع عن مصالح المدينة، يتحول ابن العرائش الطموح والناجح إلى هدف مشروع للهجوم والتخوين وحملات التشهير المنظمة، حيث يُستبدل النقد البنّاء بابتهاج طفولي لمجرد رؤية إقصاء اسم عرائشي من اللوائح الانتخابية أو الهياكل التسييرية، دون التفكير لحظة واحدة في البديل، ليصل الأمر إلى حد الصمت والتصفيق لإسناد المقاعد والنفوذ لمن لا يربطهم بالعرائش سوى موسم الانتخابات، وكأن الرحم العرائشي عاقر لا ينجب من يستحق التمثيل.
إن هذا التهميش لم يكن يوماً قدرًا محتومًا صادرًا من المركز فقط، بل هو بضاعة محلية تُصنع في أزقة العرائش وتُصدّر إلى مراكز القرار؛ فمحاربة الكفاءات المحلية تؤدي أوتوماتيكياً إلى إحداث فراغ سياسي وإداري يسهل ملؤه بالغرباء، والفرح بإقصاء الكوادر العرائشية يبعث برسالة صريحة للمركز مفادها أن هذه المدينة بلا ظهر ولا نخب ترافع عنها، وغياب التكتل والتآزر المناطقي هو السبب المباشر والوحيد لغياب المشاريع الكبرى، وتدني الخدمات العامة، واستمرار المعاناة اليومية.
إن الاستمرار في نهج الشماتة والتصفيق لإقصاء أبناء المدينة لن ينتج سوى المزيد من الطرقات المهشمة، والفرص المهدورة، والشباب المعطل، والذين يفرحون اليوم لكسر شوكة كفاءة عرائشية تنافس على منصة القرار، سيندبون غداً تهميش مدينتهم وضياع حقوق أبنائهم، فالعرائش لن تنهض مطلقاً إلا يوم يستوعب الجميع أن قوة المدينة من قوة أبنائها، وأن خرق سفينة ابن الدار هو إغراق للجميع دون استثناء.






