فن وإعلام

«أوريغامي الموت» دراسة نقدية لرواية «حساء بمذاق الورد» للمبدع سعيد منتسب

هناء ميكو (ناقدة)

منذ أن وقعت عيني على رواية «حساء بمذاق الورد»، للوهلة الأولى، أدهشتني بساطة الغلاف وجماله؛ جمالٌ انسجم مع العنوان حتى بدا كأنه لوحة سريالية معلّقة على عتبة الحكاية، وعلى هذه العتبة ذاتها تتكشف البذرة البصرية والأدبية معًا: ثماني وردات برتقالية تتفتح في قلب الأحمر، وبينها وريقات معلّقة في فضاء الصورة، فتتجلّى اللوحة كأنها تهيئ مقادير حسية لشيء يتجاوز العين إلى الذاكرة.

للرقم ثمانية حضور خاص؛ دورة مكتملة تفتح على الامتداد، فيما يمنح تكرار الورد المشهد نبضه الداخلي. أما الوريقات المنفصلة فتترك في التكوين مسافةً معلّقة، كأن الوصفة ما زالت في طور التشكل.

هنا يبدأ العنوان في الكشف عن شعريته: «حساء بمذاق الورد»؛ مفارقة تجمع ما يُذاق بما يُشمّ، وما يُلتهم بما يُتأمل. يصبح الورد مذاقًا، ليصير اللون إحساسًا، وتدخل الطفولة إلى المشهد كذاكرةٍ أولى للأشياء. عنوانٌ يفتح شهية القراءة على مذاقٍ مركّب، تتجاور فيه حلاوة الورد مع ما تخبئه الذاكرة من مرارة، وتتحول الأشياء البسيطة إلى إشاراتٍ تحمل وراء جمالها حكايةً أخرى.

في الحين استحضرتُ تلك الدعوة التي استمدّتها مخيلتي من ملوك الخيال؛ وأنا، كابنةٍ للخيال الحر، أجدني أمام سردٍ يفتح أبوابه على المدهش والمراوغ.

لأول مرة أقترب من ثيمة الموت بهذا القرب. ظلّت تخيفني طويلًا، حتى جاءت هذه الرواية لتضعني في مواجهتها، فغلبتُ رهبتها وأنا أسافر إلى الرباط، إلى معرض الكتاب، لأقتني العمل الروائي وألتقي مؤلفه. كنتُ على يقين أنني سأعود بغنيمة؛ وغنيمتي كانت روايةً تحمل في جوفها أكثر مما يحتمل اللقاء الأول.

ثم جاءت كلمة الإهداء:

«إلى الشاعرة هناء ميكو

هذا الحساء الذي أتمنى أن تستوي روائحه بقوة حروفك

مودتي وتقديري

سعيد منتسب

26/04/2025»

فوضعت على كتفي مسؤولية جسيمة. أعرف أنني كنت أهلًا لها، غير أنني احتجت إلى زمنٍ طويل كي أجرؤ على سبر أغوارها. ظلّت الرواية في انتظاري، وظللتُ في انتظار اللحظة التي أستطيع فيها أن أفتح أبوابها العميقة.

مرّ حولان، حتى جاء أوان القراءة؛ كأن النص كان يعرف أن بعض الكتب تحتاج إلى أن تنضج في الذاكرة قبل أن تُفتح صفحاتها.

«حساء بمذاق الورد» هي الرواية الفائزة بجائزة المغرب للكتاب في فئة السرد، للكاتب المغربي سعيد منتسب، والصادرة عن دار خطوط وظلال. رواية تفتح للفقد مسالك أخرى؛ تستحيل فيها تجربة فقدان الأم وألم الموت أثرًا فنيًا ولغةً شعريةً مشبعة بالخيال، حيث يتجاور الواقع والخيال والأسطورة، وتتوالد من عتمة الرحيل عوالم سريالية عميقة، تمنح الذاكرة جسدًا جديدًا، وتترك للحزن طعمًا يقترب من الورد.

وبقراءتها تتكشف أمامي ملامح كتابة تنتمي إلى ما يُعرف نقديًا بـ الميتا-سرد (Metafiction)، حيث يلتفت السرد إلى ذاته، ويجعل من الكتابة فضاءً للتأمل في الحكاية، والذاكرة، وحدود الواقع والخيال. ويتجاور هذا البعد مع التخييل السريالي العجائبي، فترتهن الرواية إلى مرآةٍ جماليةٍ تتداخل فيها طبقات الوجود، ويتقاطع فيها الواقعي بالمتخيل، والمرئي بالغيبي.

وتتعمق هذه الكتابة أكثر حين نقرأها من زاوية سيرة الصدمة (Trauma Memoir)؛ فالفقد هنا يتجاوز واقعة الرحيل ليعود إلى الجرح الأول، إلى فجيعة الطفولة ورحيل الأم، حيث يتوقف الزمن الداخلي للطفل عند لحظة الفقد، ثم تستعيد الكتابة حركته عبر الذاكرة. هكذا يشتغل ما يمكن تسميته بالجرح الأمومي كذاكرةٍ حيّة تستبطن أثر الغياب، فيما يتحول الاستبطان الحزين إلى نصٍّ موازٍ، يمزج الذاتي بالمتخيّل، ويمنح التجربة الفردية أفقًا إنسانيًا أرحب.

وهنا يكمن، في نظري، أحد ذكاءات الرواية؛ إذ يعرف الكاتب كيف يحمل ألمه الشخصي إلى منطقة الفن، فيعيد صياغة المحنة داخل بنية سردية تتجاوز الاعتراف المباشر إلى التأسيس الرمزي. يصبح الجرح مادةً للخلق، وتصير الذاكرة مختبرًا يعيد ترتيب الفقد، حتى يتسع الخاص ليصير مرآةً لفجيعة الإنسان أمام الموت.

تنطلق الحكاية من سيرة الفقد والموت، من حدث واقعي موجع هو موت الأم، فيتشكل السرد حول رغبة عميقة في استعادة حضورها، ومقاومة الغياب عبر الخيال. ومن هنا يخلق الكاتب جسرًا برزخيًا يصل السارد بالأم الراحلة، فيحاورها، ويتتبع أثرها في الغيب والعتمة، ويمنح الذاكرة قدرةً على عبور المسافة بين الحياة والموت.

ثم يأخذ التخييل مداه في عجائبية أنسنة الكائنات؛ إذ يهرب السارد إلى عالم متخيل يحاكي فيه كائنات لامرئية وحية، على طريقة منطق الطير، فتتسع الحكاية نحو أبعاد أسطورية، تفتحها عتبة الكتاب ذاتها عبر اقتباس من النسيج الأصلي بعنوان: «زوار مظلمون يخرجون من المرآة».

وهنا يحضرني أورفيوس، حين يعبر إلى العالم الآخر لاستعادة يوريديس؛ صورةٌ تختزل قوة الفن والأدب في استحضار الجمال، ومنحه فرصة أخرى للحضور، حتى في أقصى تخوم الاستحالة. كأن الكتابة نفسها تصبح فعل مقاومة، وسحرًا يواجه المحو، ويمنح الغائب هيئةً أخرى في الخيال.

ينسج سعيد منتسب بماء الشعر عوالمه؛ يتعانق فيها الحلم والكوابيس، وتتجاور الأسطورة والواقع، وتتخذ الكائنات أشكالًا مراوغة في رحلة سردية كونية، كأن الوجود دخل مختبر الخيال ليعيد تركيب أسئلته.

ومن أول انتباهاتي، وأنا أسترسل في القراءة، استوقفتني عبارة وصورة شعرية ذات بلاغة خاطفة:

«أخرجتُ من جرابي غطاءً عسكريًا»

في الحين استحضرتُ فنّ الأوريغامي؛ تلك الدهشة الفائقة التقنية التي تجعل الأحجام الكبيرة قابلةً للطيّ والتصغير، حتى يستقرّ ما يبدو هائلًا في حيّز صغير.

ومن هذه الطيّة اللغوية أستشعر زمن الكاتب؛ زمن التكنولوجيا وتلاقحها مع الفن، حيث تتبدّل أحجام الأشياء، وتتداخل المادة بالخيال، وتصبح المسافة بين الصغير والهائل مجرّد طيّة في يد السارد.

أما البنية الدائرية والمتاهة فتمنح الرواية حركةً سرديةً تلتف حول أسئلتها، وتستعين بتقنيات سريالية وتناصات معرفية تستدعي، في بعض مسالكها، عالم بورخيس؛ حيث تتشعب الطرق، وتتبدل المرايا، وتضيق المنافذ، فيتحول الحوار مع الموتى إلى وسيلة لتفكيك مفهوم الوجود، واستنطاق معنى الحضور، ومقاومة المحو الأبدي.

هنا تصبح الذاكرة كائنًا حيًا يستدعي الأم من تخوم الرحيل، ويعيد تشكيل حضورها عبر شقوق الحلم، وانعطافات السرد، ومرايا الخيال.

ومن أعمق ما استوقفني في هذا النسيج السردي تبادلُ الاستحضار عبر تقنية الفلاش باك بين عالم الأحياء وعالم الأموات؛ إذ يستعيد السارد زمن عيشه مع أمه في الواقع بكل تفاصيله الحسية: روائح الصنوبر، ووسائل النقل كالبغال، وتراث الإنشاد بالأمازيغية، وطرائق التزيين بالعقيق واللوبان والقرنفل، والتلألؤ في ضوء الشمس. تتآلف هذه العناصر في توليفة سردية مدهشة، تكشف تشبثًا حميميًا بذاكرة الوطن، بعاداته وتقاليده، وبزمن يحمل رائحة المكان وصوت الذاكرة ووهج العيش.

ثم ينتقل السرد إلى زمن العيش مع الأموات في الخيال، فتتبدل تخوم العالم، وتظل الذاكرة ممسكة بالخيط الرفيع الواصل بينهما. وهنا أستحضر، في التشكيل، الفنان؛ ذلك الكائن القادر على ولوج الخيال والرجوع منه بسلاسة، عابرًا بين الواقع والمتخيّل، ماسكًا بخيطٍ رفيع يجعل العالمين يتبادلان الضوء.

وفي هذا العبور يتنامى الجمال على نحوٍ لافت، كأن الرواية تستخرج من قبح الفقد مناسبةً أخرى للحياة؛ تستحضر مكونات المكان، وروائح الأشياء، وأصواتها، وطقوسها، ودفء العلاقات، لتمنح الكائنات فسحةً من العيش الكريم حتى عند تخوم الموت. لعلها إحدى مفارقات الرواية الجميلة: أن يظل الجمال في حالة نموّ، كلما اتسعت هوّة الفقد، وأن تستمر الحياة في اختراع أسبابها حتى في حضرة الموت.

وتتسع هذه الرؤية حين ننتقل من عتبة اللوحة والعنوان إلى هندسة الفصول؛ ففي «حساء بمذاق الورد» تبدو الفصول كحلقات متفككة من سلسلة وهمية، لكل حلقة مفتاحها، ولكل بوابة سرّها، فيما تتكفّل الأحداث بإعادة وصل المتباعد داخل نسيج سردي تتنامى خيوطه من فصل إلى آخر. بين بوابة وأخرى، يفتح السرد ممرًا جديدًا إلى منطقة تتجاور فيها الحكاية مع الحلم، والواقع مع الخيال، فتتجدد الخلخلة وتنساب الرواية بإيقاع مراوغ.

من «النسيج الأصلي: زوار مظلمون يخرجون من المرآة» إلى «غابة بزوايا حادة»، ثم إلى «جلد الملائكة ووبر الشياطين»، تتأسس البوابة الأولى على مفارقة الصورة وانزياحها. وتتوالى العناوين: «على الغيم عرائس كالملائكة»، «المرأة التي فقدت جسدها»، «شاطئ صخري مغمور بالواقع»، وصولًا إلى البوابة الثانية: «سرير تاغنجة لا يثير الشكوك»؛ حيث يستمر اللعب بين المحسوس والمتخيّل، وتتحول الأشياء إلى علامات قابلة لإعادة التأويل.

وتلفت الانتباه، وسط هذا التدفق التخييلي، مفردات ذات حمولة هندسية تتسلل إلى اللغة السردية: «زاوية حادة»، «حواف الهاوية»، «اتجاهات»، «مسرب»، «سطح»، «سرداب». تبدو هذه المفردات كأنها ترسم هندسة خفية للمكان والحركة، فتمنح العالم المتخيل خطوطه وحدوده ومساراته. و»الزاوية الحادة» تحديدًا تحمل كثافة دلالية لافتة؛ فالزاوية نقطة التقاء، والحِدّة توتر وانكسار، وحين تصبح الغابة ذات «زوايا حادة» يتحول المكان الطبيعي إلى فضاء هندسي مقلق، كأن الطبيعة نفسها دخلت مختبر التشكل الهندسي.

ثم تأتي البوابة الثالثة: «لا طعام في سوق الصور»، فتتسع مساحة الغرابة: غربان، جثث، تماسيح، فيل، دلفين، سعلاة تستحم بغبار النجوم، أرنب قرميد يقود عربة بأربعة خيول، ومخلوقات العجلة الدوارة. هنا يتشكل عالم يمتلك منطقه الخاص؛ عالم تتجاور فيه الكائنات والصور والأشياء داخل حركة سردية تستمد طاقتها من المفارقة.

ومع البوابة الرابعة، «عسو أو بسلام يخطف الفأس من الجحيم»، يدخل السرد منطقة أخرى من التوتر الرمزي: شيطان في الصورة، سلم طائر على سطح السفينة، اتفاق على حواف الهاوية، رحلة صوب الغمام، وتحليق بين السحب. ثم تنفتح البوابة الخامسة على «مرايا اختلاجية تلمع في سرداب»، حيث يتكاثف الجسد والضباب والشمس والنهر في صور تتجاوز حدود المكان، وصولًا إلى البوابة السادسة: «مسرب وحيد لوائح دائمة: حيتان الجنة وأكبادها»، حيث الروائح المرئية، والشمس الغائصة في الرأس، وحوادث شوارع الرائحة.

وتتسع هندسة السرد عبر الحوار الدائري؛ حيث تتكرر الأسئلة، وتعود الإجابات إلى مدارها الأول، فينشأ بين السائل والمجيب توتر دلالي يتجاوز الحوار العادي. سائل يقف عند تخوم عالم الموت والغيب، ومجيب يتحرك داخل أفق واقعي متخيّل، فتتصادم رؤيتان للعالم، ويصبح الحوار نفسه مساحة لاختبار حدود المعرفة.

هنا تتقاطع هندسة المكان مع هندسة الحوار: الزاوية، الحافة، الاتجاه، المسرب، السطح، كلها مفردات مكانية ترسم مسارات الحركة، بينما السؤال والإجابة والتكرار والدوران ترسم مسارات الوعي. كأن الرواية تشيد عالمها على مستويين متوازيين: هندسة للفضاء وهندسة للفكر.

ومن زاوية أخرى، تكشف هذه البنية عن سرد يقوم على التشظي الخلّاق؛ فالتباعد بين المقاطع يولّد توترًا، والتوتر يستدعي التأويل، والتأويل يعيد وصل الخيوط الخفية بين الشخصيات والأحداث والصور.

أما عنوان «حساء بمذاق الورد» فيختزل هذا العالم كله في مفارقة حسية آسرة: الحساء بما يحمله من دفء ويوميّة ومذاق، والورد بما يحمله من عطر ورهافة وجمال. اجتماع العنصرين يمنح العنوان طاقة شعرية تختصر فلسفة السرد: مزج المتباعد وتوليد مذاق جديد من عناصر تنتمي إلى عوالم مختلفة.

لهذا يستحق سعيد منتسب لقب ملك إمارة السرد؛ إذ يقود قارئه عبر بوابات متوالدة، يوزع مفاتيحها بين العناوين والصور والأحداث والحوارات، ويترك لكل بوابة أثرًا يقود إلى أخرى. وفي هذا العبور من المرآة إلى الغيمة، ومن الحيوان إلى الإنسان، ومن الجسد إلى الذاكرة، ومن الزاوية إلى الحافة، ومن السؤال إلى السؤال، تتشكل إمارة سردية ذات قوانينها الخاصة؛ إمارة يحكمها الخيال وتمنحها اللغة مفاتيح الدخول.

روايةٌ يُشمّ فيها الورد قبل أن يُتذوّق الحساء، ويظل الفقد عالقًا في الحلق بمذاقٍ آخر؛ مذاق الجمال حين يلامس حافة الموت.