هذه المسألة ليست مغربية حصرا، إنها ظاهرة تعرفها معظم المجتمعات الحديثة، وازدادت حدتها مع التحول الرقمي. غير أن خصوصية الحالة المغربية تكمن في التقاء إعلام تقليدي له مؤسساته وقواعده، مع فضاء رقمي سريع ومتعدد المصادر، أصبحت فيه شبكات التواصل الاجتماعي والفيديو والمنصات الرقمية عناصر أساسية في تشكيل النقاش العمومي. وتشير دراسات حديثة إلى أن الجمهور المغربي أصبح يعتمد بدرجة كبيرة على المصادر الرقمية، في الوقت الذي ما زالت فيه الثقة العامة في الأخبار تواجه تحديات واضحة.
ولعل أحد مظاهر «التفكير بالوكالة» يتمثل في التشابه المتزايد في طريقة تناول بعض القضايا، فقد تختلف العناوين والمنابر، لكن الزوايا المعتمدة في تفسير الحدث قد تقترب أحيانا من بعضها البعض، وعندما تتكرر المفردات نفسها، والأمثلة نفسها، وترتيبات الأولويات نفسها، يصبح من الصعب على القارئ أو المتلق أن يميز بين الخبر باعتباره مادة إعلامية، وبين التفسير باعتباره رأيا خاصا أو اختيارا تحريريا.
ففي كثير من الأحيان، يمكن أن تنتج هذه الظاهرة آليات أكثر تعقيدا: ضغوط الوقت، المنافسة على الجمهور، الاعتماد على المصادر نفسها، الخوف من الخطأ، الرغبة في تفادي الجدل، ومن المفيد، في هذا السياق، التمييز بين حرية الوصول إلى المعلومات وحرية تكوين الرأي، يستطيع المواطن المغربي اليوم الوصول إلى عدد هائل من الأخبار والمقالات والتعليقات، أكثر مما كان متاحا للأجيال السابقة، لكن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة تعدد وجهات النظر، أحيانا يحدث العكس: تتكاثر المعلومات، بينما تضيق المساحة المخصصة للتفكير فيها.
الإعلام القوي ليس هو الإعلام الذي يقدم للمواطن جوابا جاهزا، بل الذي يساعده على طرح السؤال بصورة أفضل، وليس المطلوب من الصحافة أن تكون محايدة بمعنى غياب الموقف، فهذا أمر يكاد يكون مستحيلا، وإنما أن تكون واضحة في التمييز بين الخبر والتحليل والتعليق والتقييم، وهنا يمكن للإعلام المغربي أن يفتح مرحلة جديدة من النضج المهني، خاصة في ظل الإصلاحات الجارية المرتبطة بتنظيم المهنة، وبالتنظيم الذاتي للصحافة، وبالتعددية والمسؤولية الإعلامية، فالنقاش المؤسساتي الحالي نفسه يؤكد أهمية إيجاد توازن بين حرية الصحافة والمسؤولية المهنية، وبين استقلالية المهنة وأخلاقياتها.
إن المواطن المغربي لا يحتاج إلى إعلام يفكر مكانه، بل إلى إعلام يوسع مجال تفكيره، ولا يحتاج إلى عشرات المنابر التي تقدم له الرواية نفسها بصيغ مختلفة، بل إلى منابر تساعده على رؤية القضية من أكثر من زاوية، وتترك له في النهاية حق تركيب الصورة واتخاذ موقفه، وربما تكون هذه هي المهمة الأعمق للإعلام في المرحلة المقبلة: ألا يكتفي بمرافقة المواطن في استهلاك الأخبار، بل أن يرافقه في بناء قدرته على التفكير النقدي، فالمجتمع الذي يملك إعلاما مهنيا ومتعددا لا يكون بالضرورة مجتمعا يتفق أفراده على كل شيء، بل يكون مجتمعا يستطيع أفراده الاختلاف دون أن يفقدوا القدرة على الحوار.
ومن هذا المنظور، فإن تجاوز «التفكير بالوكالة» لا يعني مواجهة الإعلام أو التشكيك فيه، وإنما تطوير العلاقة بين الإعلام والجمهور، فالصحافة التي تثق في نضج القارئ أو المستمع تمنحه المعلومة، تشرح له السياق، وتعرض أمامه أكثر من احتمال، ثم تترك له مساحة القرار، قد تكون أفضل خدمة يقدمها الإعلام للمواطن، وليس أن يوجه تفكيره، بل أن يساعده على أن يعرف كيف يفكر، وعندما يصبح هذا المبدأ جزءا من الثقافة الإعلامية، يتحول الإعلام من مجرد وسيط بين الحدث والجمهور إلى مؤسسة حقيقية لصناعة الوعي، وإلى فضاء يلتقي فيه اختلاف الآراء مع احترام العقل، وتلتقي حرية التعبير مع المسؤولية، ويصبح تعدد الأصوات مصدرا للقوة لا سببا للانقسام.






