أجدني مضطرا للحديث عن امتحان محطة الإنتخابات التشريعية بالمغرب (23 شتنبر 2026)، بكل ما تشكله من فرصة لتقييم فعل السياسة بمعناها النبيل (خدمة الصالح العام)، من موقع تجربة شخصية مؤلمة عشتها منذ أيام قليلة رفقة عائلتي ترتبط بمجال حيوي بل استراتيجي ضمن منظومة التنمية والحكامة ببلادنا، هو مجال "خدمة الصحة العمومية".
أقول "امتحان محطة الإنتخابات" بالمعنى الذي تعلمناه جميعا في كرسي التربية والتعليم أنه "عند الإمتحان يعز المرء أو يهان"، فكيف والحال يتعلق ببلد بكامله يدخل محطة امتحان سياسي لاقتناص الأمل في مستقبل خدماتي تنموي استراتيجي ضمن الأمن القومي للبلد والناس من حجم "خدمة الصحة العمومية".
شاء القدر أن أتعرض رفقة عائلتي لحادثة سير جد خطيرة عند مدخل مدينة طنجة (غير بعيد عن مدارة مرجان بطريق تطوان)، حين تجاوزت فجأة سيارة قادمة من الإتجاه المعاكس الطوار العالي وقفزت كاملة في السماء لتصطدم مباشرة بسيارتنا (كانت سرعة سيارتي القادمة من تطوان لا تتجاوز 55 كلمترا في الساعة)، مما خلف خسائر بليغة فيها مع إصابات ورضوض جسدية مختلفة. فهمت فيما بعد أن سبب انحراف تلك السيارة عن مسارها اصطدام من الخلف لها مع شاحنة كبيرة (رموك) أفقدها توازنها فانطلقت كالصاروخ صوبنا من فوق الطوار.
حضر فريق كامل من رجال الشرطة بعد 5 دقائق لمعاينة الحادثة وفك الإزدحام الكبير للجولان في الإتجاهين (9 عناصر أمنية من مختلف الرتب) وأنجزوا مهامهم المهنية للأمانة باحترافية.. ثم حضرت سيارة للوقاية المدنية غير مجهزة طبيا وحيدة بعد 15 دقيقة نقلت زوجتي (المصابة بكسر في يدها اليسرى) ومصابين خطيرين من السيارة الثانية (واحد منهم حالته جد حرجة) إلى مستشفى محمد الخامس بطنجة..
هنا انطلق مسلسل خدماتي يطرح أسئلة بلا عدد حول "مأساة خدمة الصحة العمومية" ببلادنا.. سيكون من الظلم والتجني تحميل المسؤولية فقط لرجال الصحة من أطباء وممرضين فهم يقاومون بصبر بالقليل الذي في اليد (إن وجدوا أصلا. مثلا في قسم الراديو لم يكن هناك سوى متدرب وليس مسؤولا تقنيا. بينما لا وجود لكرسي متحرك يستحق هذا الإسم. ولا تسأل عن الرعاية النفسية أو الفحص التقني الدقيق صحيا)..
الأمر مرتبط بالمنظومة الصحية في شموليتها خاصة في قطاع حيوي مثل مصلحة "المستعجلات" (لا تزال تستحق لقبها القديم "المستعطلات")..
هنا يطرح السؤال كبيرا حول معنى السياسة ومستوى التدبير العمومي ببلادنا من خلال قطاع استراتيجي مثل قطاع الصحة العمومية.. ومحطة امتحان الإنتخابات التشريعية كلحظة للتقييم والمحاسبة تفرض ذلك بقوة..
إن من مسؤولية الحكومة والفاعل السياسي الحزبي أن يجعلا من منظومة الصحة العمومية أولوية قصوى كخدمة عمومية لحماية الحياة وحماية حق الإنسان المغربي في "الأمن الصحي"..
نعم نجح المغرب في مجالات تنموية وخدماتية عدة، لكنه خاسر وراسب للأسف في امتحان "الصحة العمومية".. لأنه من العار أن يكون للمغاربة وللمغرب هذا المستوى البئيس من نوع الخدمة في الصحة.. فأن أتعرض قدريا لحادثة سير خطيرة رفقة عائلتي قد جعلني أمام لحظة صعبة جدا للقلق على نفسي وعلى أفراد عائلتي بسبب ضعف مستوى الخدمة الصحية المتوفرة بمستشفى عمومي في مدينة كبيرة وآهلة مثل طنجة..
هنا تولد أزمة الثقة بين المواطن وبلده..
هنا تُمتَحَنُ السياسة ويُمتحن الفاعل السياسي والمسؤول الحكومي..
بل إنه سيتضاعف الألم أكثر حين عودتي رفقة زوجتي ثلاثة أيام بعد الحادثة إلى طنجة من الدار البيضاء (بسبب عطلة عيد المولد النبوي) للحصول على شهادة طبية تحدد نسبة العجز الجسدي لتقديمها ضمن محضر الشرطة ولدى شركة التأمين. لقد سلخ منا الإنتظار في فضاء عبثي مكتض بمئات المصابين أمام شباك حديدي بئيس ووحيد أكثر من 4 ساعات تحت زخات المطر.. بكل ما صاحب ذلك من احتجاجات وصراخ للمواطنين وضجر للمسؤولين عن الأمن والتنظيم بمستشفى محمد الخامس.. حينها تكون ضحية مرتين..
في مقابل ذلك، لا يملك المرء إلا أن يسجل بتقدير أن مصالح الشرطة كانت محترفة ومحترمة ومهنية حين التوجه إليها لإتمام المحضر بالدائرة الرابعة ببني مكادة (لم يتجاوز الأمر نصف ساعة).. هنا يسجل المرء أن المستوى الإداري والمهني والبشري لقطاع الأمن تطور كثيرا ببلادنا إيجابيا.. كان هناك عدد غير قليل من ضحايا حوادث السير، لكن سلاسة التعامل المهني كانت طبيعية ومحترفة بدون ضجيج ولا ازدحام ولا تأخير..
إن السياسة هي خدمة الصالح العام كمعنى نبيل لتدبير الشأن العام.. والمغرب إذا كان ناجحا في مجالات تنموية وخدماتية معينة فإنه علينا الإقرار والتنبيه بكل مسؤولية أنه خاسر وفاشل وراسب في قطاع خدماتي حيوي واستراتيجي مثل قطاع الصحة العمومية..
إنه بدون أية مزايدة أو مبالغة، تحتاج بلادنا "ثورة صحية" بالمعنى البناء للكلمة.. فهي أولوية الأولويات وهي تحد لامتحان المواطنة ببلادنا..
فقط في خضم الإزدحام الشديد والفوضى أمام ذلك الشباك الحديدي البئيس بمستشفى محمد الخامس بطنجة للحصول على الشهادة الطبية، كان يلتصق بي كتفا على كتف مواطن مغربي شاب (رب أسرة جاء مع ابنه المصاب) ربما عرفني من ملامحي دون أن يفصح لي عن ذلك، حيث قال لي بصوت متعب:
"أستاذ، هنا المغرب الحقيقي ماشي مغرب الملاعب"
ابتسمت في وجهه وقلت:
"تحدي تجاوز مغرب السرعتين"..
ضحكنا متعبين معا..






