رأي

منال التقال: هذه هي القضية وكل ما عداها ضجيج

ردا على مغالطات عضوي المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المهدي المزواري واحمد العاقد ليس أخطر على الأحزاب من الخلاف، إلا محاولة تزوير طبيعة الخلاف نفسه، فبدل الجواب عن الأسئلة التي أثيرت بشأن مسطرة الترشيحات، اختار بعض أعضاء المكتب السياسي الهروب إلى رواية مبسطة ومريحة، مفادها أن من اعترضت على المسطرة إنما فعلت ذلك لأنها لم تحصل على التزكية. وهذا غير صحيح.

لم يكن اعتراضنا يوما على عدم حصولنا على التزكية، بل انصب منذ البداية على الكيفية التي طبقت بها المسطرة، وعلى مصير المعايير الأربعة التي قيل لنا إنها ستشكل أساس الاختيار، قبل أن يظهر، من خلال الوقائع، أن معيارا واحدا كانت له الكلمة الأثقل والحاسمة: الدعم المالي. هذه هي القضية. وما عداها محاولة لصناعة معركة وهمية حتى لا تتم مناقشة المعركة الحقيقية.

لقد سبق أن شرحت ما عاينته شخصيا في جهة الرباط–سلا–القنيطرة، كما أن شهادات مناضلات في جهات أخرى، وما نقل إلينا عن بعض أعضاء لجان البت، تطرح أسئلة مماثلة. ولذلك فإن الطريق الأقصر إلى الحقيقة واضح وبسيط: "انشروا أسماء المستفيدات من التزكية، وانشروا مساراتهن، وبينوا للرأي العام والمناضلات والمناضلين كيف طبقت المعايير الأربعة على كل حالة".

فإذا كان المال فعلا مجرد معيار تكميلي أو «إكسسوار» كما صرح بذلك أحد أعضاء المكتب السياسي، فلا حاجة إلى كل هذه الخرجات الإعلامية. يكفي نشر ما يعلل الاختيارات، و #هاتوا_برهانكم_إن_كنتم_صادقين. وأجيبوا عن السؤال البسيط: لماذا انتهى الاختيار، في الحالات التي نتحدث عنها، إلى المرشحات صاحبات العروض المالية الأعلى؟

هنا يصبح السؤال مشروعا، بل وضروريا: هل نحن أمام أربعة معايير فعلا، أم أمام معيار مالي واحد تحولت بقية المعايير إلى مجرد ديكور؟

المال بين مصاريف الحملة والمساهمة للحزب

هناك إشكال آخر لا يقل خطورة. إذا كانت بعض العروض المالية قد تجاوزت السقف القانوني المسموح به بالنسبة لمصاريف الحملة الانتخابية، والمحدد في "60 مليون سنتيم"، فكيف تم التعامل معها؟ ولماذا لم تكن المسطرة واضحة منذ البداية في استبعاد أي عرض يتجاوز ما يسمح به القانون؟

وإذا قيل إن هذه الأموال ليست مصاريف حملة، بل تبرعات أو مساهمات لفائدة الحزب، فإن القانون حدد سقفها في 80 مليون سنتيم. وهنا يطرح السؤال نفسه: لماذا لم يتم رفض العروض التي تجاوزت هذا السقف؟

فلا يمكن أن يتحول المال، داخل عملية يفترض أنها سياسية وتنظيمية، إلى منطقة رمادية لا نعرف معها هل يتعلق الأمر بتمويل للحملة، أم بمساهمة للحزب، أم بشرط ضمني للمفاضلة بين المرشحات.

وقد قدمت شخصيا، عند ترشحي، عرضا يقوم على تحمل نفقات الطباعة والنقل واللوجستيك، دون تحديد مبلغ مالي بعينه. والسبب بسيط: لأنني لم أتعامل مع الترشيح بمنطق #المزاد.

كما أنني لا أحتاج إلى من يعطيني دروسا في دعم الحزب ماديا. فقد ساهمت، رفقة الأخ الكاتب الإقليمي لسلا، في تحمل نسبة 60% من مصاريف كراء أول مقر للحزب بالإقليم طيلة أربع سنوات، بسومة كرائية قدرها 5000 درهم شهريا، كما ساهمت في تجهيز المقر الجديد. ولم يسبق لي أن طالبت بتعويض عن التنقل أو الأعباء، رغم تنقلاتي لفائدة الحزب، وتأطيري للقاءات، وقيامي بتكوينات لفائدة نساء الحزب في عدد من مناطق المملكة.

وهنا يكمن الفرق بين من يعطي للحزب لأنه يعتبر ذلك جزءا من التزامه السياسي والنضالي، وبين من يحاول اليوم قلب الوقائع واتهام المعترضين بالبحث عن الريع والامتياز.

 #من_يبحث_فعلا_عن_الكريمة؟

ومن يعتبر أننا نبحث عن «كريمة» على بياض، نقول له بوضوح: لسنا نحن من استفدنا من تعيينات في مؤسسات الحكامة برواتب سمينة، ولسنا من تم تعييننا في مناصب مرتبطة بالحزب مقابل أجور ضخمة، ولسنا من عينا في مواقع إدارية داخل الفريقين بالبرلمان، ولسنا من ارتبطت أسماؤنا بأسهم في الشركة المعلومة المكلفة بالدراسات، والتي استفادت من 200 مليون من الدعم العمومي.

لذلك، فإن الحديث عن أن احتجاجنا سببه البحث عن «كريمة» أو امتياز شخصي ليس جوابا، بل محاولة لقلب الأدوار وصرف الأنظار عن أصل الإشكال.

من حقنا أن نسأل من استفاد، ومن حقنا أن نسأل كيف تم الاختيار، ومن حقنا أن نرفض أن يتحول المال إلى بوابة للترشيح.

هل تكفي «فرادة» المسطرة لإثبات مشروعيتها؟

أما بخصوص التباهي بأن المسطرة المقترحة «فريدة على المستوى الوطني»، فإن الفرادة ليست فضيلة في حد ذاتها. قد تكون المسطرة فريدة، لكنها إذا تناقضت في جوهرها مع النظام الداخلي للحزب أو أفرغت مؤسساته من اختصاصاتها، فإن هذه الفرادة تصبح عنواناً للخلل لا للتميز.

لقد تم عمليا تقليص دور لجنة الترشيح والتأهيل، المكونة من الكتاب الإقليميين والكاتب الجهوي، إلى مجرد التحقق من استيفاء شروط الترشح.

والدليل أن جميع المرشحات تم تأهيلهن، دون أن تضطلع اللجنة بالدور الحقيقي الذي يفترض أن تقوم به، أي المفاضلة واختيار الأفضل استنادا إلى المعايير المعلنة. فإذا كانت لجنة الترشيح والتأهيل لا تؤهل فعليا ولا تفاضل، فما الجدوى من وجودها؟ والأكثر دلالة أنها رشحت كل من تقدم بطلب الترشيح، ولم تقص أحدا، حتى المرشحات غير المسجلات في اللوائح الانتخابية.

بعد ذلك، نقل مركز القرار إلى لجان البت المكونة من مرشحي ومرشحات الجهة أنفسهم. وهنا تكمن إحدى أكبر مفارقات المسطرة: كيف يمكن لطرف مستفيد مباشرة من نتيجة الاختيار، باعتباره مرشحا عن دائرة محلية، أن يتحول في الآن نفسه إلى جزء من هيئة الاختيار؟ أليس من مصلحة المرشحين، موضوعيا، اختيار المرشحة القادرة على توفير أكبر دعم مالي ولوجستيكي للحملة؟

بل نطرح سؤالا أكثر إحراجا: كم عدد الوافدين الجدد الذين حصلوا على ترشيحات باسم الحزب؟ وكيف يمكن لمرشحين لا علاقة سابقة لهم بالحزب أن يشاركوا في تقييم مرشحات قضين عقوداً من النضال داخله؟

كما يجب التذكير بأن هذه المسطرة جردت المكتب السياسي بدوره من صلاحية الحسم الفعلي في اختيار المرشحات. فبدل النقاش والتصويت وتحمل المسؤولية الجماعية عن الاختيار، أصبح دور المكتب السياسي أقرب إلى المصادقة على مقترح واحد تقدمت به لجنة البت.

#هل_صادق_المجلس_الوطني_فعلا_على_هذه_المسطرة؟

 

أما ادعاء أحد أعضاء المكتب السياسي أن المسطرة التي اقترحها الكاتب الأول بواسطة مقرر داخلي، والتي تم بموجبها إحداث لجان البت، قد عرضت على أنظار المجلس الوطني وتمت المصادقة عليها، فهو ادعاء غير صحيح. وأطلب من الجميع الرجوع إلى تغطية أشغال المجالس الوطنية وبلاغاتها، وإلى التغطيات الصحفية التي واكبتها، بل وإلى التسجيلات التي يقوم بها الحزب نفسه لهذه اللقاءات، للتأكد من أن هذه المسطرة لم يصادق عليها قط المجلس الوطني. بل إن «بيان الحقيقة» الذي أصدره رئيس المجلس الوطني نفسه لم يشر إلى وجود مثل هذه المصادقة.

وحتى إذا افترضنا جدلا أن النظام الأساسي يتيح للكاتب الأول إمكانية إصدار مقررات داخلية، فلا يمكن لهذه المقررات أن تتعارض مع منطوق النظام الداخلي للحزب أو أن تعدل، عمليا، توزيع الاختصاصات بين مؤسساته.

#الانفتاح_على_الخارج_أم_تجاوز_كفاءات_الحزب؟

ثم إن التشدق بفتح هذه المسطرة في وجه كفاءات جديدة من خارج الحزب يطرح بدوره سؤالا سياسيا لا يمكن تجاهله: هل كان ذلك اعترافا ضمنيا بأن الحزب لا يتوفر في صفوفه على كفاءات نسائية قادرة على تحمل المسؤولية؟ الحقيقة أن الواقع يقول عكس ذلك تماما. فالمناضلات اللواتي احتججن لسن مجرد أسماء حزبية، بل من بينهن كفاءات ذات كعب عال راكمن تجارب مهنية وأكاديمية ومؤسساتية وازنة: مسؤولات في قطاعات وزارية وإدارات عمومية مهمة، وأستاذات جامعيات، ومحاميات، ومستشارات، وأطر عليا يتوفرن على الخبرة والكفاءة والتجربة، إلى جانب مسارات حزبية ونضالية طويلة.

كما أن تزكية حوالي 90% من نساء لا ينتمين إلى الحزب أو حديثات الانتماء إليه تعطي الانطباع للرأي العام كما لو أن الحزب كان مضطرا إلى البحث خارج صفوفه لسد خصاص في الكفاءة النسائية، وتبعث ضمنيا برسالة سلبية مفادها أنه لم يعد يثق في الرصيد النسائي الذي راكمه بنفسه على مدى عقود.

أما الحديث عن الانفتاح على شابات من خارج الحزب، كما جرى بجهة الشرق من خلال تزكية شابة لم تطأ قدمها مقر الحزب بتاتا، ووالدها رئيس المجلس الإقليمي لعمالة الناظور باسم حزب التجمع الوطني للأحرار، وهو ما أثار موجة استقالات لمناضلات بجهة الشرق، فإنه يطرح سؤالا مشروعا ومحرجا في الآن نفسه: ألهذه الدرجة أصبحت شبيبتنا الحزبية خالية من الكفاءات النسائية؟ ألا تزخر صفوف الشبيبة بدكتورات، وأستاذات، وأطر شابة، ومناضلات راكمن سنوات من العمل والتأطير والحضور داخل الحزب؟

والحقيقة التي ينبغي قولها بوضوح هي أن الحزب يتوفر بالفعل على رصيد نسائي غني من الكفاءات والخبرات، وكان المطلوب هو حسن تثمين هذا الرصيد ووضع معايير شفافة ومنصفة للمفاضلة، لا القفز عليه تحت عنوان «الانفتاح».

أين تقف صلاحيات مؤسسة الكاتب الأول وأين تبدأ صلاحيات المؤسسات الحزبية الأخرى؟

من خلال تجربتي لولايتين في المكتب السياسي، وما واكبته من ممارسة ميدانية وعمل سياسي، أؤكد أن المشكل في العمق يرتبط باستفراد مؤسسة الكاتب الأول بعملية اختيار مرشحات الدوائر. فالكاتب الأول هو من أقر مسطرة جديدة أعتبر أنها تتناقض في جوهرها مع النظام الداخلي للحزب، في تجاوز لصلاحيات المجلس الوطني، وهو من عين رؤساء لجان البت، وأعطاها، بحسب ما بلغنا، توجيها لاختيار المرشحات باعتماد معيار حاسم هو المساهمة المالية.

وهذا الانزلاق التنظيمي يسائلنا جميعا عن مدى نجاعة اختياراتنا السابقة في المؤتمرات التي صادقت على تقوية اختصاصات مؤسسة الكاتب الأول، ومنها تعيين أعضاء المكتب السياسي، وتعيين رئيس المجلس الوطني وأعضاء اللجان، ثم عرضهم للمصادقة على أنظار المجلس الوطني. 

كنا حينها نعتقد أن تقوية مؤسسة الكاتب الأول ستساهم في التقليل من الصراعات داخل الحزب وتجويد حكامته. لكن ما ظهر بعد ذلك هو العكس: تقلصت مساحات القرار الجماعي، وتم تركيز المزيد من السلطة في مؤسسة الكاتب الأول، إلى الحد الذي أصبحت معه هذه المؤسسة تستأثر عمليا بالسلطة التشريعية والتنفيذية والتأديبية داخل الحزب.

وهنا يطرح السؤال التنظيمي والسياسي الأكبر: إذا كان الحزب يدافع في خطابه عن الديمقراطية، وفصل السلط، وربط المسؤولية بالمحاسبة، أفلا يفترض أن يسمح لهذه المبادئ نفسها بأن تدخل إلى بيته الداخلي؟

فلا معنى للديمقراطية إذا كانت شعارا نرفعه تجاه الدولة، ثم نضيق بها حين تصل إلى مؤسسات الحزب. ولا معنى لمحاربة التغول الحكومي ونحن نكرس تغولا داخليا لمؤسسة الكاتب الأول باستحواذه على جميع السلط.

 القضية أكبر من تزكية وأسماء 

لهذا، فإن القضية اليوم لم تعد قضية تزكية، وليست معركة أسماء، ولا خصومة شخصية. القضية أبسط وأخطر في الآن نفسه: هل تحكمنا المؤسسات أم الأشخاص؟

ومن هنا فإن نداء الضمير يجب أن يوجه إلى كل المناضلات والمناضلين للالتفاف حول حزبهم، لا من أجل الصمت عن الاختلالات، بل من أجل الدفاع عنه عبر المطالبة بإصلاح شامل لما عرفه تنظيمه الداخلي، وفتح تحقيق في ما جرى بشأن مسطرة الترشيحات، وتحديد المسؤوليات، وإعداد تقرير مفصل في الموضوع يعرض على أنظار المجلس الوطني، في إطار إعمال مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، ندعو المجلس الوطني إلى فتح تحقيق شامل في مالية الحزب والاطلاع على موارده الداخلية والخارجية وحجم المساهمات ومدى توفرها على الوثائق المحاسباتية اللازمة.

وفي الأخير فإن الدفاع عن الحزب لا يكون بإنكار الاختلالات أو مهاجمة من يطرح الأسئلة، وإنما بتقوية مؤسساته وتصحيح أخطائه وصيانة مصداقيته.

أما كثرة البلاغات والخرجات الإعلامية فلن تجيب عن السؤال المركزي:

هل أصبح المال أقوى من النضال داخل مسطرة كان يفترض أنها وجدت لحماية النضال من منطق المال؟

هذه هي القضية. 

وكلما عداها ضجيج.