إن أول من فتح هذا الباب، وخرج للحديث بمنطق "الملك أعطى أمره بتنفيذ القانون"، هو وزير العدل عبد اللطيف وهبي. فقد حاول من خلال تصريحاته إقحام جلالة الملك كطرف في القضية، في استقواء سمج بمؤسسة تحظى بالإجماع الوطني والاحترام والتبجيل من كافة الأطياف. إن إصدار الأمر المولوي السامي بتنفيذ القوانين ونشرها هو مسار دستوري وروتيني تشهده جميع القوانين المنشورة بالجريدة الرسمية، وليس حدثاً استثنائياً يُستغل للالتفاف على مطالب قطاع مهني يطالب بالمقاربة التشاركية وحماية حقوق الدفاع.
وبذلك، فإن وزير العدل ومن سار على نهجه — ولا سيما بعض المحاكم التي أصدرت أحكاماً جنائية في غيبة الدفاع، ضداً على القانون والقواعد الجوهرية للمحاكمة العادلة — هم من يتحملون المسؤولية المباشرة في منح الجهات المعادية للمغرب الفرصة لتوجيه سهامهم نحو المؤسسات الوطنية وتحريف الحقائق. إن خطاب المسؤول الحكومي الفاقد للحكمة والرصانة هو الذي يمنح الخصوم مادة جاهزة للاستغلال الإعلامي والتضليل.
إننا، كمحامين، نؤكد جازمين أن المؤسسة الملكية يجب أن تبقى بعيدة كل البعد عن التدافعات السياسية والنقابية الفئوية. فإذا كانت السياسة والأداء الحكومي هما مجال الاختلاف والتحليل والتدبير اليومي، فإن الملكية هي الركيزة الجامعة والرمز الذي نتفق عليه جميعاً كصمام أمان للأمة واستقرارها.
ولعل التاريخ والواقع يؤكدان أن المحامين ينظرون إلى المؤسسة الملكية بتقدير واعتزاز كبيرين. فمهنة المحاماة هي المهنة الوحيدة التي حظيت بشرف تاريخي فريد، حين ارتدى جلالة الملك بذلتها الرسمية تقديراً منه لأدوارها النبيلة في ترسيخ العدالة ودولة الحق والقانون والمؤسسات.
ولا بأس أيضاً من التذكير بمضامين الرسالة المولوية التي وجهها المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني إلى المؤتمر الدولي للمحامين بمناسبة انعقاده بمراكش من 28 أكتوبر إلى 1 نوفمبر 1994 (شاءت الأقدار أن يقرر الاتحاد الدولي للمحامين عقد مؤتمره القادم لسنة 2026 في نفس التاريخ الذي انعقد فيه مؤتمر 1994). والتي جاء فيها: «ويطيب لنا أن نذكر بهذه المناسبة بالدور الفعال الذي قامت به هيئة المحامين المغاربة، تلك المدرسة العتيدة في الأخلاق الوطنية، التي ساهمت في تحرير البلاد والدفاع عن القضايا الوطنية، بقدر ما ساهمت منذ فجر الاستقلال في إقامة وتسيير المؤسسات السياسية والإدارية والقضائية التي كانت تحتاج إليها البلاد. وسنظل معتمدين على هيئة المحامين المغاربة لكي تواصل مساهمتها البناءة والمثمرة لتدعيم هذه المؤسسات والدفاع عنها.»
ختاماً، إن محاولات الإعلام المعادي لاصطياد أسباب التفرقة في الماء العكر لن تنال من التلاحم الثابت بين الجسم الحقوقي ومؤسسات الدولة. وإن معركة المحامين اليوم هي معركة قانونية وحقوقية ضد منهجية تدبير القطاع الحكومي، وليست ولن تكون يوماً موجهة ضد ثوابت الأمة التي يظل المحامون في مقدمة المدافعين عنها.






