نعرف جميعاً الحقيقة التي لا تحتاج إلى برهان: سنموت.
سيأتي يوم نغادر فيه هذه الدنيا، نترك البيوت التي تعبنا من أجل بنائها، والأموال التي جمعناها، والمناصب التي تفاخرنا بها، والخصومات التي استنزفت أعمارنا، وحتى الأشخاص الذين أحببناهم أو اختلفنا معهم.
نعرف ذلك يقيناً، ومع ذلك نعيش أحياناً وكأننا باقون إلى الأبد!
نغضب، ونحقد، وننتقم، ونجرح، ونشهّر، ونكسر الخواطر، ونقطع الأرحام، ونخسر أصدقاء أعزاء بسبب كلمة، ونحوّل اختلافاً بسيطاً إلى عداوة طويلة، وقد يمضي العمر كله دون أن يسأل أحدنا نفسه: هل كان الأمر يستحق كل هذا؟
ما أقصر المسافة بين الخصام والندم
كم من شخص تشاجر مع أخيه، ثم جاءه خبر وفاته قبل أن يصالحه؟
وكم من إنسان قال كلمة جارحة لوالده أو والدته، ثم تمنى بعد رحيلهما لو عاد الزمن دقيقة واحدة ليقول: سامحاني؟
وكم من صديقين فرّق بينهما سوء فهم صغير، وظل الكبرياء يمنع كليهما من المبادرة، حتى أغلق الموت باب المصالحة إلى الأبد؟
إن أكثر ما يؤلم في بعض حالات الفراق ليس الموت نفسه، بل الكلمات التي لم نقلها، والاعتذارات التي أجلناها، والأحضان التي بخلنا بها، والمسامحة التي منعنا عنها كبرياءنا.
لماذا كل هذا الأذى؟
العجيب أننا نعرف هشاشة الحياة، ثم نصر على إيذاء بعضنا بعضاً بأقسى الوسائل.
هناك من ينام مرتاحاً بعدما شوّه سمعة إنسان.
وهناك من يفرح لأنه كسر قلباً.
وهناك من يستعمل أسرار الناس سلاحاً ضدهم عندما تنتهي المودة.
وهناك من يزرع الفتنة بين الأقارب والأصدقاء.
وهناك من يطعن في الظهر شخصاً أكل معه الخبز والملح سنوات طويلة.
وهناك من يحمل حقداً عمره عشرون أو ثلاثون سنة بسبب موقف ربما نسي سببه أصلاً!
ثم ماذا؟
تمر السنوات، يبيض الشعر، تنحني الظهور، تتعب الأجساد، ويرحل الناس واحداً بعد الآخر، فنكتشف متأخرين أن كثيراً من معاركنا لم تكن تستحق حتى ساعة من أعمارنا.
لا أحد ينتصر على الموت
قد تنتصر في خصومة، وقد تسكت خصمك، وقد تمتلك مالاً أكثر، ونفوذاً أكبر، ومنصباً أعلى، وقد يصفق لك الناس اليوم… لكن النهاية واحدة.
الغني والفقير، القوي والضعيف، المسؤول والمواطن البسيط، من أحبنا ومن كرهنا… كلنا عابرون.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي:
ما الذي سيبقى منا بعد الرحيل؟
لن يبقى عدد الخصومات التي ربحناها، ولا عدد الذين هزمناهم، ولا الكلمات القاسية التي استطعنا الرد بها.
الذي يبقى هو الأثر.
سيقول أحدهم: كان إنساناً طيباً.
وسيقول آخر: وقف إلى جانبي عندما تخلى عني الجميع.
وسيقول ثالث: أخطأت في حقه فسامحني.
وربما يقول شخص آخر بحزن: آذاني ولم يعتذر أبداً.
نحن، من حيث نشعر أو لا نشعر، نكتب كل يوم السيرة التي سيحكيها الناس عنا عندما نصبح ذكرى.
الاعتذار لا ينقص من الكرامة
مشكلتنا أحياناً أننا نفهم الكرامة فهماً خاطئاً.
نعتقد أن المبادرة بالسلام ضعف، وأن الاعتذار هزيمة، وأن المسامحة تنازل عن الحقوق.
لكن الإنسان القوي حقاً هو من يستطيع أن يقول: أخطأت، سامحني.
والإنسان النبيل هو الذي يستطيع أن يغلق أبواب الحقد دون أن يفتح أبواب الإهانة من جديد.
والمسامحة لا تعني دائماً إعادة العلاقات كما كانت؛ فقد نبتعد عن أشخاص حفاظاً على كرامتنا وراحتنا، ولكن يمكننا أن نبتعد دون حقد، ودون انتقام، ودون تشهير، ودون رغبة في تدمير الآخر.
قبل أن يصبح الإنسان صورة وذكرى
نحن بارعون في مدح الناس بعد رحيلهم.
نكتب عن طيبتهم، ننشر صورهم، نتحدث عن خصالهم، ونقول كم كانوا أعزاء علينا.
لكن لماذا لا نقول لهم ذلك وهم أحياء؟
لماذا نشتري الورود للقبور أكثر مما نقدمها للأحياء؟
لماذا نكتب كلمات الحب والرثاء بعد الموت، بينما نبخل بكلمة جميلة قد تسعد قلباً وهو ما يزال ينبض؟
قل لمن تحبه إنك تحبه.
اشكر من أحسن إليك.
اعتذر لمن ظلمته.
سامح إن استطعت.
واسأل عن شخص انقطعت أخباره.
ولا تؤجل كلمة طيبة إلى الغد، لأن الغد ليس عقداً مكتوباً بيننا وبين الحياة.
وفي النهاية…
سنموت جميعاً.
هذه ليست دعوة إلى الحزن، بل إلى الحياة بصورة أجمل.
ما دام الرحيل مؤكداً، فلنجعل الطريق إليه أقل قسوة على بعضنا.
لنختلف دون أن نتوحش.
لنغضب دون أن نظلم.
لنبتعد دون أن نشهّر.
ولننهِ العلاقات دون أن نهدم تاريخها الجميل.
فالحياة أقصر من أن نقضيها في صناعة الأعداء، والقلوب أضعف من أن نحملها كل هذا الحقد.
قد يأتي يوم نتمنى فيه لو وجدنا الشخص الذي آذيناه أمامنا لنقول له كلمة واحدة… فلا نجده.
فلا تؤذِ قلباً وأنت تعرف أن صاحبه راحل، ولا تحمل حقداً وأنت تعرف أنك راحل أيضاً.
وإذا كان الموت سيجعلنا في النهاية مجرد ذكريات في قلوب الآخرين، فلنحرص، قدر استطاعتنا، على أن نترك وراءنا ذكرى طيبة لا جرحاً، ودعاءً لا لعنة، ومحبةً لا ندماً.






