مجتمع وحوداث

مصادر جيراندو الزائفة وأكاذيبه المغرضة

الحسن زاين
دأب الكاذب أن يدعي أنه يتوفر على مصادر تزوده بالمعلومات، والتي ليست، في نهاية المطاف، سوى أكاذيب و إدعاءات مغرضة يستعملها في محاولة يائسة لإضفاء "مصداقية" مزورة على خرجاته، التي لم تعد تنفع في تغطية وجهه الحقيقي.

والوجه الحقيقي للنصاب جيراندو هو أنه:

1- مجرد مبتز ومحتال، ومتورط حتى النخاع مع مافيا تجارة المخدرات، واستعمال أسلوب تصفية الحسابات، بالتواطئ مع باروناتها من أجل الابتزاز والحصول على الأموال.

2 - مجرد محترف للاتجار في البشر عبر شبكات عابرة للحدود، كما كشفت عن ذلك تسريبات " أطلس هاكرز".

3 - مجرد بوق يردد ما يملي عليه، بعض الذين لفظتهم الوظيفة والأجهزة، فيحاولون، الإساءة إليها باختلاق الأكاذيب، و ممارسة الدجل، ضد الأشخاص والمؤسسات، رغم أن مواقعهم لم تكن تسمح لهم، حتى بتجاوز الأبواب المحصنة للأجهزة، التي تمتلك مفاتيح المعلومة، و تعمل بكل تفان من أجل صيانة البلاد من المخاطر الداخلية والخارجية.

والمشكلة في جيراندو ليست فقط في الأكاذيب التي يطلقها، وإنما في الوهم الذي يحاول باستمرار تسويقه عن نفسه: وهم الرجل الذي يعرف كل شيء، والرجل الذي تتهافت عليه "المصادر"، والرجل الذي يزعم أن كل ما يقوله يستند إلى معلومات سرية لا يملكها غيره.

لكن أي مصدر هذا الذي لا يظهر إلا عندما تكون الحاجة إلى رواية ملفقة؟ وأي معلومة تلك التي لا يمكن التحقق منها ولا تصمد أمام أبسط قواعد التدقيق والمقارنة؟ وأي "سر" هذا الذي يتحول، بمجرد نشره، إلى مادة للاستهلاك في منصات التواصل الاجتماعي دون وثيقة، أو قرينة، أو دليل قابل للفحص؟

إن عبارة "لدي مصادر" ليست عنوانا للمصداقية، ولا يمكن أن تكون بديلاً عن الوثيقة والدليل والتحقق. فالحقيقة لا تُبنى على الغموض المتعمد، ولا على أسماء مجهولة، ولا على مصادر وهمية يتم استدعاؤها كلما احتاج صاحبها إلى تغطية ثغرة في روايته.

لقد تحولت "المصادر" في خطاب جيراندو إلى شماعة جاهزة لتعليق الأكاذيب عليها. فإذا سُئل عن الدليل، أحال إلى مصادره، وإذا سُئل عن المصدر، تحدث عن سرية المعلومات، وإذا انكشف خلل الرواية، انتقل إلى رواية أخرى، وكأن الجمهور أمام مسلسل لا نهاية له من الادعاءات. وهنا تحديداً تنكشف اللعبة.

فجيراندو الذي يريد أن يمنح نفسه أهمية زائفة يحتاج باستمرار إلى صناعة صورة الرجل الذي يعرف ما لا يعرفه الآخرون. ويحتاج إلى الإيحاء بأن وراءه شبكة من المطلعين والمخبرين، ولا يجد أمامه سوى إعادة تدوير الأسطوانة نفسها: "مصادر خاصة"، "معلومات حصرية"، "تسريبات خطيرة"، و"معطيات لا يمكن نشرها". غير أن زمن هذه الحيلة بدأ ينتهي.

لقد ولّى زمن كان فيه مجرد الادعاء كافياً لإرباك المتلقي، وولّى زمن كان فيه رفع الصوت والتلويح بمعلومات سرية قادراً على صناعة الهيبة. اليوم، أصبح السؤال أبسط وأقسى: أين الدليل؟

ولا يكفي أن يطلق الشخص اتهاماً ثم يختبئ خلف عبارة "مصادري". ولا يكفي أن يتحدث عن مؤسسات وأشخاص، ثم يتعامل مع التشهير وكأنه حق مكتسب. ولا يكفي أن يحوّل المنصات الرقمية إلى محكمة، وأن ينصّب نفسه قاضياً وجلاداً وشاهداً في الوقت نفسه.

الأخطر من ذلك هو أن الرجل يبدو وكأنه لا يكتفي باختلاق الروايات، بل يسعى إلى بناء شخصية افتراضية حول نفسه: شخصية المطلع، والخطير، والقادر على الوصول إلى ما لا يصل إليه الآخرون. شخصية تحتاج إلى جرعة يومية من الإثارة حتى تبقى قائمة. لكن الشخصية المصطنعة لا يمكن أن تصمد إلى الأبد أمام الحقائق.

وما يجب أن يقال بوضوح هو أن مرحلة استثمار الأكاذيب لإضفاء أهمية مصطنعة على صاحبها ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية. فكل ادعاء له عمر، وكل رواية لها لحظة سقوط، وكل شخصية افتراضية تصطدم في النهاية بالوقائع التي حاولت طويلاً الهروب منها. أما الحديث عن "المصادر"، فقد أصبح هو الآخر بحاجة إلى مصدر.

إن محاولات جيراندو اليائسة اليوم لإحياء أساطيره المزعومة ليست إلا صرخات احتضار لمشروع تضليلي سقط في مهدداته. فقد انتهى عهد ترويج الوهم، ولم يعد أمامه سوى الانصياع لواقع وحجمه الحقيقيين بوصفه مُختلقاً، ومُحتالاً، ومُنتحلاً للشخصية، ومُبتزاً في شبكات الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات الدولية، وهي حقائق دامغة ستبقى تلاحقه أينما حل وارتحل لتعري زيف ادعاءاته أمام الجميع.