بالنسبة إلى روسيا، تبدو المسألة مرتبطة أساسًا بحرب المعلومات. فالمعطيات المتداولة تتحدث عن نشاط رقمي استثمر أزمة سبتة المحتلة لتقديم إسبانيا وأوروبا في صورة العاجز عن حماية حدودهما. والمهم هنا أن جزءًا من هذا النشاط تم رصده بعد اندلاع الأحداث، وهو ما يجعل الحديث عن استغلال الأزمة أكثر تماسُكًا، حتى الآن، من الحديث عن صناعة الأزمة نفسها. ومع ذلك، فإن إدخال روسيا يخدم قراءة إسبانية أوسع. فروسيا أصبحت في القاموس الأمني الأوروبي مرتبطة بالحرب الهجينة والتضليل والتدخل الخارجي. وعندما توضع أحداث سبتة داخل هذا الإطار، تصبح القضية أقرب إلى تهديد للأمن الأوروبي، وهو ما ينسجم مع إصرار وزير الخارجية ألباريس على أن سبتة ومليلية هما إسبانيا وهما الاتحاد الأوروبي. ومعنى هذا أن موسكو تمنح مدريد، بطريقة غير مباشرة، مدخلًا إضافيًا للمطالبة بأوربة أمن سبتة ومليلية.
أما إدخال إسرائيل فيحمل حساسية مختلفة. فالعلاقات بين حكومة سانشيز وتل أبيب متوترة بسبب غزة وفلسطين، في حين تشهد العلاقة بين المغرب وإسرائيل تطورًا لافتًا في المجالات الدفاعية والأمنية والتكنولوجية. وبالنسبة إلى إسبانيا، يتعلق الأمر بمتغير استراتيجي يستحق الانتباه والحذر، يتمثل في ارتباط قوة إقليمية بعلاقات عسكرية متنامية مع المغرب، بدأت تقترب سياسيًا من ملف تعتبره مدريد من أكثر ملفاتها حساسية، ويتعلق الأمر بملف سبتة ومليلية والجزر الجعفرية، وتصريح مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة بخصوصه.
ثم هناك أثر الاتهام داخل المغرب نفسه، فربط إسرائيل بأحداث سبتة سيجد طريقه بسهولة إلى خطاب معارضي التطبيع، وقد يمنحهم مبررًا إضافيًا للضغط من أجل مراجعة العلاقات المغربية الإسرائيلية. ولا تتوفر معطيات تسمح بالقول إن مدريد تستهدف عمدًا إفساد هذه العلاقات، إلا أن أي توتر بينها وبين تل أبيب سيؤثر حتمًا في البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسبانيا.
وهكذا يؤدي الاسمان وظيفتين مختلفتين: روسيا تساعد على وضع أحداث سبتة داخل مفهوم التهديد الهجين الأوروبي، وإسرائيل تستحضر صراعًا جيوسياسيًا أكثر تعقيدًا يرتبط بفلسطين، وبعلاقتها المتنامية مع المغرب، وبالحساسية الإسبانية تجاه سبتة ومليلية. ومع ذلك، يبقى السؤال الذي لم تجب عنه رواية سانشيز بصورة مقنعة حتى الآن: إذا كان المغرب غير مسؤول، وإذا كانت الحملات الروسية المرصودة قد استغلت الأزمة بعد اندلاعها، وإذا كان الحديث عن إسرائيل يتعلق بالتضليل والتأثير، فمن حرّك عشرات الآلاف نحو سبتة يوم 30 يوليوز؟ هنا توجد الحلقة المفقودة. فتفسير من استثمر أحداث 30 يوليوز شيء، وتحديد من صنع الظروف التي أطلقتها شيء آخر.
وربما لهذا ينبغي للمغرب أن يراقب ما هو أبعد من الاتهامات المتبادلة، محاولةً لمدريد تحويل ما جرى من أزمة على حدود سبتة إلى قضية أمن أوروبي، ومن ثم إحاطة سبتة ومليلية بمظلة أوروبية أوسع. فقد تكون المعركة الجيوسياسية التي بدأت بعد 30 يوليوز أهم بكثير من أحداث 30 يوليوز نفسها.






