1_ تعددية مائعة .
أربعون حزبا تقريبا هو عدد "الأحزاب" المرخصة في المغرب . ينتظر أن يشارك منها في انتخابات 23 شتنبر حوالي ثلاثين ، كل بمرشحيه و رمزه و برنامجه و شعاراته و مناضليه و وعوده و كل ما إلى ذلك مما تحتاجه الانتخابات من لوجيستيك و لجن و مقرات و تمويل و عربات و منصات و مطبوعات و كاسكيطات و تيشورتات و مسيرات و تجمعات...
و هلم انتخابات بعد عودة الروح لمعظم هذه التتنظيمات.
إذا كانت اليسراوية gauchisme هي المرض الطفولي للشيوعية بتعبير العم لينين ، فنستسمحه في أن نقتبس عبارته مع بعض التحوير paraphraser و نقول بأن "البلقنة هي المرض الطفولي للديمقراطية" .
طبعا ، لسنا نبخس الناس حقهم في تأسيس ما يشاؤون من "أحزاب" ما لم يتعارض ذلك مع موانع القانون/ الدستور، و لسنا نبخسهم حقهم البيولوجي في النوم ، بله السبات ، و الاستيقاظ متى شاؤوا .
و عدد الأحزاب السابق ذكره ليس أكثر مما عرفته تجارب أقطار أخرى في مراحل انتقالية من تاريخها ، إسبانيا أكثر من ثمانين حزبا في زمن ولى ، تونس حوالي مائتي حزب بعد ثورة الياسمين المجهضة ، الجزائر كذلك ، البرتغال بعد ثورة القرنفل ...إلخ .
الانتخابات المتواترة و نتائجها تتكلف بالغربلة حتى لا يبقى إلا الراسخون في تراب مجتمعاتهم . و عديد أقطار تحترم ديمقراطيتها تمنع عن غير الممثلين في مؤسسات ما بعد الانتخابات الدعم و الإعلام العموميين ، بل ربما هناك أقطار تحل فيها الأحزاب التي لا تمثل شيئا.
بالعودة لوضع "تعدديتنا" ،
هل هي حقيقية أم مصطنعة؟
منذ بضعة جولات انتخابية كم حزب يدخل البرلمان ممن يشاركون في الانتخابات ؟
هل لكل مشكلة / ثلاثون جوابا ، و كل جواب يختلف عن الآخر مرجعية و إيديولوجية و سياسة و رؤية و برنامجا و حلولا ؟
أيمكن الحديث فعلا عن ثلاثين برنامجا انتخابيا ، بله مشروعا مجتمعيا ؟
هل كل حزب مشارك يحمل أقل مقومات الحزب كما عرفها الفكر السياسي ، موريس دوفيرجيه نموذجا ، أو كما عرفها دستور المملكة ؟
في الديمقراطيات النموذجية، و لو أنه لا وجود لها إطلاقا ، هناك يمين و يمين وسط ، يسار و يسار وسط ، يمين متطرف و يسار متطرف ، و هناك في بعض الأقطار بالنظر لخصوصياتها التاريخية أحزاب جهوية أو عرقية أو دينية، و لكنها لا تصل من حيث العدد لتعدديتنا .
و في ديمقراطيات أخرى لا يتجاوز عدد الأحزاب عدد أصابع اليد ، مع غلبة لحزبين كبيرين هما من يتداولان على السلطة ، و طبيعي و ديمقراطي جدا أن يقود الأول الحكومة مع حليف أو اثنين و الثاني المعارضة مع الأقرب إليه ، من هنا خواء و هراء محاولة إسقاط هذه التجارب مغربيا بدعوى التوازن المؤسساتي ( و كان حريا الدفع بالتوازن الانتخابي لأن حسن سير المؤسسات و توازنها اختصاص ملكي خالص) .
إن غاية كل تعددية حقيقية، هي أن يكون هناك فرز مرجعي و سياسي / برنامجي ، و ليس خلق متاهات labyrinthe أمام الناخبين ، أو إصابتهم بعمى الألوان و الرموز .
و غايتها الفضلى هي أن يجد الناس أنفسهم أمام أحزاب تستحق إسمها، و تكون الانتخابات تتويجا لمسار من الحضور ، و التنخيب و التأطير ...
أما و أن نستيقظ بين عشية و ضحاها ، و قد عشنا خلال خمس سنوات على وقع عشرة أحزاب أو أكثر بقليل " على علاتها " ، لنجد أنفسنا أمام ثلاثين حزبا لم نسمع لمعظمها حسا و لا همسا ، و كتخرج عينيها و تقول حتى هي " فولها طياب" ...فذلك في تقديرنا إساءة للانتخابات و المؤسسات .
إلى اللقاء مع إساءة أخرى.






