رأي

إبراهيم حيمي: حين ينشغل اليسار بمحاكمة اليسار… فمن يواجه اليمين؟

من أكثر المفارقات إيلاماً في المشهد السياسي المغربي أن اليسار، بكل اتجاهاته وتلاوينه، يبدو أحياناً أكثر انشغالاً ببعضه من انشغاله بخصومه الحقيقيين. بدل أن ينصب الجهد على تجديد الفكر، وتطوير أساليب العمل وسط المجتمع، واستعادة ثقة الناس، وبناء البدائل السياسية والاجتماعية، نجد جزءاً من اليسار يستنزف طاقته في معارك داخلية لا تنتهي: هذا «مخزني»، وذاك «يسار يميني»، وآخر «منحرف»، وغيره «باع الماتش»… وكأن معركة اليسار الكبرى أصبحت البحث عن الخيانة داخل صفوفه، لا البحث عن الطريق إلى المستقبل. ولا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن أي تجربة أو تبرئة أي طرف من مسؤولياته وأخطائه؛ فالنقد داخل اليسار ضروري، بل هو شرط من شروط تطوره. لكن هناك فرقاً شاسعاً بين النقد الذي يفتح الأفق، والتجريح الذي يغلقه؛ بين الاختلاف الذي ينتج الأفكار، والصراع الذي يستهلك الرفاق. لقد أضعنا، على امتداد سنوات، الكثير من الوقت في اجترار الخلافات القديمة، وتبادل الاتهامات، وتوزيع شهادات اليسارية والوطنية والثورية على بعضنا البعض، بينما تتغير المجتمعات من حولنا، وتتغير أدوات السلطة والاقتصاد والتواصل، ويتغير وعي الأجيال الجديدة، ونحن ما زلنا نتصارع حول مواقع في خريطة سياسية لم تعد هي نفسها. والأكثر إيلاماً أن القافلة تمضي، واليسار يختلف حول من يحمل الراية! يمر الزمن، وتتناقص الصفوف لأسباب طبيعية وأخرى سياسية، بينما لا ننجح في تجديد النخب، ولا في استقطاب الأجيال الجديدة، ولا في بناء تنظيمات قادرة على الإنصات للمجتمع ومقاربة أسئلته الحقيقية. فمن قال إن الجماهير تنتظر منا أن نخبرها من هو «اليساري الحقيقي»؟ الجماهير تريد من يدافع عن حقوقها، ومن يقترح بديلاً، ومن يواجه الفساد والاستبداد والتهميش، ومن يحول الغضب الاجتماعي إلى وعي وتنظيم وفعل سياسي. إن اليسار لا يحتاج اليوم إلى مزيد من محاكم التفتيش داخل بيته، بل يحتاج إلى مراجعة شجاعة، ونقد ذاتي عميق، وتجديد فكري وتنظيمي، ولغة جديدة، وأدوات جديدة، وعودة حقيقية إلى المجتمع. فالخصم السياسي ليس جالساً داخل اليسار فقط حتى نتفرغ لجلده صباح مساء؛ هناك يمين يمتلك المال والنفوذ وأدوات التأثير، وهناك سياسات تنتج التفاوت والتهميش، وهناك مواطن ينتظر من يقدم له بديلاً مقنعاً.

لذلك، ربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا، بعيداً عن المزايدات: هل نريد أن ننتصر على بعضنا البعض، أم نريد أن ننتصر للأفكار التي آمنا بها؟ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لليسار ليس أن يختلف، فالاختلاف حياة؛ وإنما أن يتحول اختلافه إلى غابة من الشتائم، بينما يظل الواقع السياسي والاجتماعي هو المنتصر الوحيد علينا جميعاً. فلنختلف كما نشاء… ولكن لنتقدم نحو ترسيخ الفكر الديمقراطي اليساري الإنساني والحقوقي الكوني وسط المجتمع.

وليس الانتظار والتنظير من أبراج فوقية والتعالي على المجتمع وكأننا نحن من يحمل لواء الحقيقة المطلقة وحدنا في هذا الكون ... هل نريد أن نثبت أننا الأكثر يسارية… أم نريد أن نجعل اليسار أكثر تأثيراً في المجتمع؟

فلننتقد بعضنا كما نشاء دون تحريح واتهامات قدحية… ولكن لنبنِي، ولنترك للخصوم شيئاً من وقتنا أيضاً، حتى لا يصبح اليسار هو الخصم الوحيد لليسار.