وبين كل هذا، يفرض سؤال واحد نفسه بإلحاح، ونحن على بعد أيام من انطلاق مساطر الترشيح للاستحقاقات التشريعية المقبلة: هل نملك النخب السياسية والحزبية، رجالاً ونساءً، القادرة على أن تكون في مستوى هذه اللحظة؟ أم أننا سنكرر إنتاج نفس الوجوه ونفس الأساليب، في زمن لم يعد يحتمل لا الهواية ولا الرداءة؟
أولاً: تحديات جيوسياسية لا تحتمل الهواة
يتحرك المغرب اليوم في محيط دولي وإقليمي بالغ التعقيد. عالمٌ تتشكل فيه أقطاب جديدة، وتُعاد فيه هندسة سلاسل الطاقة والغذاء والتكنولوجيا، وجوارٌ إقليمي مضطرب تتقاطع فيه أزمات الساحل مع تحولات المتوسط. وفي قلب هذا المشهد، حقق المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، اختراقات دبلوماسية تاريخية جعلت مبادرة الحكم الذاتي تحظى باعتراف متنامٍ من القوى الكبرى، وجعلت المنتظم الدولي يتجه بوضوح نحو حسم النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.
لكن المكاسب الدبلوماسية لا تُحرس بالبيانات والتصفيق، بل بنخب قادرة على فهم موازين القوى، وعلى الترافع بلغات العالم ومفاهيمه، وعلى تحويل الاعتراف السياسي إلى شراكات اقتصادية وتنموية ملموسة، خصوصاً في أقاليمنا الجنوبية وفي عمقنا الإفريقي. الدبلوماسية الموازية، البرلمانية والحزبية والاقتصادية، ليست ترفاً بروتوكولياً، بل خط دفاع ثانٍ عن المصالح العليا للوطن. والسؤال المحرج: كم من نخبنا الحزبية اليوم قادرٌ فعلاً على خوض هذا الترافع بكفاءة واقتدار؟
ثانياً: الأوراش الملكية.. رؤية تنتظر من يُنزّلها
لقد وضع جلالة الملك أمام البلاد خارطة طريق واضحة المعالم: دولة اجتماعية تُعمّم الحماية الاجتماعية وتصون الكرامة، نموذج تنموي جديد يراهن على الرأسمال البشري، جهوية متقدمة تُقرّب القرار من المواطن، وميثاق للاستثمار يفتح الباب أمام جيل جديد من المقاولات والمبادرات. يضاف إلى ذلك موعدٌ عالمي استثنائي هو تنظيم كأس العالم 2030، الذي ليس مجرد حدث رياضي، بل امتحانٌ شامل لقدرة الدولة والمجتمع على الإنجاز في الآجال وبالجودة المطلوبة.
هذه الأوراش ليست شعارات انتخابية، بل التزامات دولة. والفجوة الحقيقية التي يعيشها المغرب اليوم ليست فجوة رؤية، فالرؤية الملكية واضحة وطموحة، بل فجوة تنزيل. فبين النص والتنفيذ، وبين البرنامج والأثر، تقف نخبٌ سياسية وإدارية يُطلب منها أن تتحول من منطق تدبير الريع والمواقع إلى منطق تدبير النتائج والأثر. إن أخطر ما يهدد الأوراش الكبرى ليس نقص الموارد، بل رداءة الوساطة السياسية التي يُفترض أن تحمل هذه الأوراش إلى المواطن وتحمل نبض المواطن إليها.
ثالثاً: انتظارات المواطنين.. الثقة قبل البرامج
المواطن المغربي اليوم ليس هو مواطن الأمس. جيلٌ جديد متعلم، مرتبط بالعالم، يقارن ويحاسب ويعبّر، أظهرت حراكاته الأخيرة أن مطالبه ليست أيديولوجية ولا فئوية، بل بسيطة وعميقة في آن: صحة تحفظ الكرامة، مدرسة تصنع المستقبل، شغلٌ يليق بالشهادات والطموحات، وعدالة مجالية لا تترك هوامش البلاد خارج دورة التنمية.
غير أن أعمق ما يطلبه المواطن اليوم ليس مشروعاً إضافياً ولا وعداً جديداً، بل شيءٌ أثمن وأندر: الثقة. الثقة في أن السياسة يمكن أن تكون فعلاً نبيلاً لخدمة الصالح العام، لا سلّماً للارتقاء الشخصي. الثقة في أن الصوت الانتخابي يُترجم إلى أثر ملموس في الحياة اليومية. وهذه الثقة لا تُستعاد بالحملات التواصلية ولا بالخطب الموسمية، بل بنخب يرى فيها المواطن نفسه: نزاهةً في السلوك، وقرباً في الحضور، وصدقاً في الوعد، وشجاعةً في الاعتراف بالخطأ.
رابعاً: أي نخبة نريد؟ أربعة شروط لا تنازل عنها
إن المرحلة التي تجتازها بلادنا تحتاج نخباً سياسية وحزبية في مستوى التحديات والاستحقاقات والانتظارات. ومعيار الانتماء إلى هذه النخبة ليس الأقدمية ولا الولاء ولا القدرة على التعبئة الموسمية، بل أربعة شروط متلازمة:
الخبرة: فالسياسة ليست مهنة من لا مهنة له. تدبير الشأن العام في زمن التعقيد يحتاج من راكم معرفة حقيقية بالملفات، بالاقتصاد والمالية العمومية، بالترابي والاجتماعي، بمساطر الدولة ومنطق المؤسسات. النائب الذي لا يقرأ قانون المالية، والمنتخب الذي لا يفهم الميزانية التي يصوّت عليها، عبءٌ على الديمقراطية لا إضافة لها.
الكفاءة: أي القدرة على تحويل المعرفة إلى إنجاز. الكفاءة تُقاس بالأثر لا بالخطاب: كم من نص تشريعي جاد؟ كم من سؤال رقابي وازن؟ كم من مشروع ترابي خرج إلى الوجود؟ لقد آن الأوان لتقييم المنتخبين بمنطق النتائج، تماماً كما تُقيَّم المقاولات والإدارات.
الالتزام الأخلاقي: وهو حجر الزاوية. فلا خبرة ولا كفاءة تنفعان مع ذمة قابلة للبيع. النزاهة، والتجرد، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ورفض استعمال المال في إفساد الإرادة الانتخابية، ليست تفاصيل، بل شرط وجود للسياسة نفسها. إن كل درهم فاسد يشتري صوتاً، إنما يشتري في الحقيقة قطعةً من ثقة المواطنين في وطنهم.
القدرة على الإبداع: فالأجوبة القديمة لا تصلح للأسئلة الجديدة. التحول الرقمي، الذكاء الاصطناعي، الانتقال الطاقي والمائي، اقتصاد المعرفة، تشغيل الشباب، كلها ملفات تحتاج خيالاً سياسياً وجرأة في اقتراح الحلول، لا اجترار وصفات استُنفدت منذ عقود. النخبة المبدعة هي التي تستبق الأسئلة بدل أن تلهث خلفها.
خامساً: النساء.. نصف النخبة المنتظرة
وحين نتحدث عن نخب في مستوى اللحظة، فإننا نتحدث عن رجال ونساء معاً. فلا يمكن لبلد أن يربح رهاناته وهو يُقصي نصف كفاءاته أو يختزل حضور المرأة في مقاعد مضمونة بلا سلطة قرار حقيقية. التجربة المغربية أثبتت أن المرأة، حين تُمنح الثقة والموقع، تدبّر بجدية والتزام وقرب من هموم الناس. المطلوب اليوم ليس فقط رفع نسب التمثيلية، بل تمكين النساء الكفأة من مواقع القيادة الحزبية والانتدابية والحكومية، لأن ذلك ليس مطلباً نسائياً، بل حاجة وطنية وشرطاً من شروط جودة النخبة نفسها.
خاتمة: الامتحان أمامنا.. والتاريخ لا يرحم
إن الأحزاب السياسية، التي أوكل إليها الدستور مهمة تأطير المواطنين والمساهمة في التعبير عن إرادتهم، مدعوةٌ اليوم قبل غيرها إلى لحظة صدق مع الذات: أن تجعل من التزكيات الانتخابية المقبلة عملية انتقاء حقيقي على أساس الخبرة والكفاءة والنزاهة والقدرة على الإبداع، لا صفقات موسمية تكرّس منطق الريع وتعيد إنتاج العزوف.
فالمغرب الذي يفاوض العالم من موقع قوة، ويبني دولته الاجتماعية، ويستعد لاستقبال كوكب كرة القدم، يستحق نخباً بحجم طموحه. واللحظة التي نعيشها لن تتكرر، والتاريخ لا يسجل النوايا، بل يسجل من كان في مستوى اللحظة ومن ضيّعها. وإن غداً لناظره قريب.






