مجتمع وحوداث

الحكماء الحقيقيون ليسوا أوصياء على الناس وإنما هم من يحسنون تدبير الاختلاف

مصطفى المنوزي (محامي)

الحكماء الحقيقيون ليسوا أوصياء على الناس، ولا أصحاب حقيقة نهائية، ولا سلطة تعلو على إرادة الأطراف؛ وإنما هم من يحسنون تدبير الاختلاف بعقلانية وتبصّر، بعيدًا عن التعالي والاندفاع والتهور، وبما تقتضيه الحكمة من استقلالية وتجرد ونزاهة فكرية.

فالحكيم لا يصادر القرار، بل يساعد على إنضاج شروطه؛ ولا يفرض الحل، بل ييسّر إمكان إبداعه؛ ولا ينحاز إلى الأشخاص، بل إلى قواعد الحوار والإنصاف والعقلانية. لذلك يظل دوره، في جوهره، دورًا حياديًا وموضوعيًا ووساطيًا: تقريب وجهات النظر، تفكيك سوء الفهم، تخفيف حدة الاستقطاب، وفتح الممكنات التي قد يحجبها منطق المواجهة ؛ وإن قيمة الحكمة لا تكمن في امتلاك الجواب نيابة عن الآخرين، وإنما في تهيئة المجال الذي يستطيع فيه المختلفون إنتاج جوابهم المشترك بأنفسهم. ومن هنا يكون الحكيم ميسّرًا للحل لا مالكًا له، ووسيطًا في صناعة المخرج لا طرفًا في النزاع؛ لأن الحكمة، متى تحولت إلى وصاية أو استعلاء أو فرض للأمر الواقع، فقدت أهم شروطها: التواضع المعرفي والاستقلال الأخلاقي.

ويمكن اختزال جوهرها في عبارة: «الحكيم لا يصنع القرار بدل أطرافه، بل يصنع الشروط التي تمكّنهم من إبداع قرارهم المشترك.» ومن أخطر الآثار العكسية التي قد يقع فيها من يتصدى لدور الحكيم أو الوسيط أن يتجاوز حدود وظيفته؛ فيتحول، من حيث لا ينتبه، من ميسّر للحوار إلى صاحب وصاية، ومن مقرب لوجهات النظر إلى طرف ضمني في النزاع. عندئذ لا يفقد حياده فحسب، بل قد يفقد مصداقيته نفسها، وهي رأسماله الرمزي الأول ؛ فالحكمة التي يداخلها التعالي، أو الوساطة التي يشوبها الانحياز، أو النصح الذي يتحول إلى إصدار للأحكام، قد تنتج نقيض المقصود منها: بدل تعزيز الثقة تثير الريبة، وبدل تقريب المسافات توسعها، وبدل حماية المكانة الرمزية لصاحبها تعرضها للتآكل ؛ ثم إن الأخطر أن الإصرار على ممارسة دور لم تعد أطراف النزاع تعترف بحياده قد يعرّض صاحبه إلى نوع من الاغتيال الرمزي؛ أي إسقاط صورته المعنوية ومكانته الأخلاقية في الوعي الجماعي، ليس بالضرورة بسبب سوء مقصده، وإنما بسبب سوء تقدير حدود الدور وشروط قبوله ؛ ولذلك فإن من مقتضيات الحكمة أيضًا معرفة متى نتدخل، وكيف نتدخل، وإلى أي حد نتدخل، ومتى ينبغي الانسحاب؛ فالحكيم لا يحمي الآخرين من التهور فقط، بل يحمي وظيفته الرمزية من أن تستنزفها الرغبة في التأثير؛ لأن المصداقية تُبنى ببطء، لكنها قد تُهدر سريعًا حين تختلط الوساطة بالوصاية، والحكمة بادعاء امتلاك الحقيقة.

لقد صدق من قال ” تكلم حتى أراك ” ، وإلا فصمتك حكمة مقصودة حتى لا ترى ، غير أن التاريخ لا يرحم من له فقط رؤيا دون رؤية، من هنا ولأن الحكم على الشيء فرع من تصور ، فليس من الحكمة أن تبخسوا الناس أشياءهم وتضحياتهم ، فمحطة الحسم رهينة بإرادة الجميع أو جلهم ، فماذا انتم فاعلين ، برمزيتكم المفترضة ، للمستقبل القريب تشاركيا ، أما حدث فاتح شتنبر سيكون عظيما او عديما لو أوضحتم للعامة ماذا اضاف فعلكم او تصرفكم للنقاش وانتظارات المحامين والمتقاضين والعدالة !؟.

فلنطلق نقاشا تفاعليا وتواصليا وتشاركيا لبلورة حيثيات قرار يحفظ الحقوق والكرامة ، ويصون المكتسبات ويجد انفاس المعركة المهنية والسياسية الطويلة الأمد ، بعقلانية وواقعية منتجة للتقويم والاستدراك الإيجابي تكريسا لاستقلالية القرار المهني ، وبعيدا عن نزوات الانشقاق وآثارها العكسية على وحدة الصف ومعنويات نساء ورجال المهنة العتيدة .