رأي

لحسن العسبي: متى يتخلص الإسبان من عطبهم الإستعماري أمام المغاربة؟

مهمة هي المظاهرات التي خرجت في ساحات بعض مدن إسبانيا المعلنة تشبثها باحتلال مدننا المغربية (سبتة ومليلية والجزر المتوسطية) واعتبارها إسبانية.. مثلما هو مهم النقاش الذي شهده البرلمان الإسباني بحضور رئيس الحكومة الإشتراكي بمدريد بيدرو شانسيز.. مهم كل ذلك لأنه يفضح في العمق تناقضا في الوعي الإسباني كلما تعلق الأمر بنا في المغرب.. تناقض يطرح أسئلة جدية حول ازدواجية المواقف ببلاد سرفانتيس كلما ارتبط الأمر بالإرث الإستعماري والإرث الديكتاتوري الفرانكاوي لديهم في علاقتهم مع "القضية المغربية" (كانت تسمى من قبل في الأدبيات الإسبانية خلال القرن 19 ب "القضية الإفريقية")..

إن أول علامات التناقض في الوعي الإسباني (في النخبة وفي المجتمع)، تتمثل في تحدي تفسير كيف أن ذات الفرد الإسباني الذي ينزل إلى الشارع للتضامن مع غزة وفلسطين تأسيسا على مبادئ كونية لحقوق الإنسان والحريات والعدل هو نفسه الذي ينزل للدفاع عن إرث استعماري توسعي استبدادي منذ قرون فقط لأن الأمر يتعلق ب "المورو" (عنوان الوعي الشقي في الذهنية الإسبانية المرتبط بكل ما هو مغربي. علما أن كل التطورات الكبرى سياسيا في إسبانيا ظل يحضر فيها شكل العلاقة مع المغرب منذ قرون).. 

إن الأمر يعكس قمة التناقض عند الإسبان في علاقتهم المتوترة مع تاريخهم الإستعماري الأسود..

غالبية النخب الإسبانية هذه الأيام (حزبية سواء من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، أو إعلامية من كل المرجعيات المهنية) تتوحد وراء دفع قانوني معيب وغريب يقول بعدم أحقية المغاربة في المطالبة باسترجاع مدنه المحتلة بالشمال وجزره المتوسطية لأن الدولة المغربية تأسست فقط سنة 1956 (سنة استقلالها من الإستعمارين الفرنسي والإسباني)، وأن الدولة الإسبانية أقدم وملكيتها لتلك الأراضي المغربية الإفريقية كانت قبل قيام الدولة المغربية..

هذا طرح بئيس ومتهافت يفضح الروح الإستعمارية المتواصلة للإسبان..

إن وقائع التاريخ ووثائقه الدامغة تؤكد أن "الدولة المغربية" أقدم من "الدولة الإسبانية".. بل حتى "الملكية المغربية" أقدم بكثير من "الملكية الإسبانية". بدليل العودة فقط إلى سلسلة الإتفاقيات الموقعة بين الملكيات الإسبانية والملكيات المغربية منذ العهد المريني في القرن 13 حتى اتفاقية "واد راس" سنة 1860 (التي تم من خلالها بعد هزيمة الجيش المغربي في حرب تطوان أمام الجيش الإسباني وبوساطة إنجليزية إلحاق 70 % من الأراضي المستعمرة الحالية بسبتة بالإحتلال الإسباني في عملية توسعية استيطانية).

يؤكد تاريخ الحروب والحصار المغربي لسبتة ومليلية لشهور وأحيانا لسنوات منذ أواخر العهد المريني وطيلة العهد السعدي وفي كل مراحل الحكم العلوي الحالي، أن المطالب المغربية لاستعادة أراضيه المحتلة من قبل الإسبان ظلت قائمة ومتواصلة. وأن عددا من الإتفاقيات للهدنة قد ظلت توقع بين الدولة المغربية وبين ممثلي التاج الإسباني (مع مملكة مايوركا ومع مملكة أراغون ومع مملكة قشتالة وصولا إلى مملكة البوربون الحالية).

إن الطرح الإستعماري الجديد الذي تقول به كل النخب الإسبانية اليوم بغياب "دولة مغربية" قبل 1956، وأن ملف مدننا المغربية المحتلة لم يشملها اتفاق استقلال المغرب من الإستعمارين الفرنسي والإسباني، يسقط بسرعة أمام واقع "اتفاقيات دولة" الموقعة بين العاصمة المغربية فاس والعاصمة الإسبانية مدريد نتوقف عند ثلاثة منها:

- اتفاقات تبادل الأسرى وتنظيم التجارة بين السلطان مولاي إسماعيل والمملكة الإسبانية القشتالية، الذي سجل في عهده أطول حصار مغربي لسبتة دام 33 سنة كاملة ما بين 1694 و1727 (سنة وفاته). ولم تكن العائلة المالكة حاليا بإسبانيا "البوربون" موجودة في مرحلتها الأولى سوى ابتداء من سنة 1700.

- أول "اتفاق دولة" بين البلدين وقع سنة 1767 بين السلطان العلوي محمد بن عبد الله (محمد الثالث) والملك الإسباني شارل الثالث. وقع بقصر مراكش يوم 28 ماي 1767، الغاية منه وضع حد لسنوات طويلة من المواجهات البحرية والبرية بين الدولتين وترسيم إطار للتعاون التجاري والأمني بينهما..

- اتفاقية "واد راس" سنة 1860، بعد حرب تطوان التي انهزم فيها الجيش المغربي أمام التوسع الإستعماري للجيش الإسباني بعد وساطة إنجليزية، ربحت فيه مدريد توسعة المجال الترابي المحيط بمدينة سبتة بنسبة 70 % مثلما ربحت توسعة أخرى ترابية بمحيط مليلية، بعد مواجهات طويلة مع قبيلة أنجرة بمحيط سبتة ومع قبائل قليعة بمحيط مليلية.

إن هذه الإتفاقيات تقوم وحدها دليلا على وجود "الدولة المغربية" قبل 1956 بعاصمتها الإدارية للملك وبنظمها السياسية المعترف بها دوليا.. بل إن النظام السياسي المغربي القائم حاليا (الدولة العلوية الشريفة) منذ 1664، هو أقدم من النظام السياسي الملكي الإسباني الحالي لآل بوربون المتأسس سنة 1700. بل حتى استمرارية هذا النظام السياسي المغربي أقوى وأصلب من ما عاشه النظام الملكي الإسباني الذي تمت الإطاحة به ثلاث مرات سنوات 1808 و 1868 و 1931، حيث عاشت إسبانيا مراحل جمهورية واحدة منها ديكتاتورية مستبدة استعمارية (نظام الجنرال فرانكو)..

إن نضال المغاربة (دولة ومجتمعا) من أجل تحرير أراضيهم المستعمرة والمحتلة من قبل نظم أروبية استعمارية وتوسعية هو نضال ممتد في التاريخ ولا يزال.. لأن عدالة الحقوق الترابية المغربية الإفريقية مشروعة ومسنودة بكل المواثيق العالمية في صحرائه الجنوبية وفي مدنه وجزره المتوسطية..

إن المشكل قائم عند الإسبان، الذين عليهم التصالح مع منظومة الحقوق العالمية عبر التحرر من إرثهم الإستعماري التوسعي في أراضينا المغربية المتوسطية.. بل إن عليهم التخلص من التناقض في المواقف التي تفضح تربيتهم الإستعمارية القديمة والمتجاوزة حين تجدهم يطالبون عن حق باستعادة جبل طارق من الاحتلال البريطاني (حينها يصبحون أبطالا تحررين)، في مقابل التجائهم إلى الإستبداد الإستعماري حين يطالب المغاربة عن حق باستعادة أراضيهم المغربية الإفريقية المتوسطية..

على إسبانيا أن تتحرر من عقدها التاريخية ومن منطقها الإستعماري حين يتعلق الأمر بالحقوق المغربية العادلة (إذ كلما تعلق الأمر بالمغرب والمغاربة يصبح الإسباني فرانكاويا مستبدا واستعماريا).. ف

إن قدر الجغرافية جعلنا جيرانا وسنبقى جيرانا، وليس لنا من سبيل سوى اختيار طريق التعاون وتصفية الإرث الإستعماري بما يخدم مصالحنا الحيوية القومية العليا وبما يعزز أسباب التعاون والأمن في مضيق جبل طارق وفي غرب المتوسط وغرب القارتين الأروبية والإفريقية..

على الإسبان أن يدركوا أن "الكرامة" معدن مشترك بين الشعوب، وليس المغاربة أقل كرامة من غيرهم..