لم يعد هشام جيراندو يحتاج إلى خصوم كي يفضح نفسه؛ فالرجل الذي أمضى وقتاً طويلاً في توزيع شهادات «النضال» على نفسه، وجد نفسه أمام سيل من الحقائق التي تكشف وجهاً آخر أكثر قتامة من الصورة التي ظل يبيعها لمتابعيه.
جيراندو الذي بنى لنفسه شخصية «المعارض الصلب» و«كاشف الفساد» لم يعد قادراً على تغطية التناقض الصارخ بين خطابه وبين الأسماء والمبالغ والحسابات والتحويلات التي تظهر في المراسلات والتسجيلات التي سربتها مجموعة "أكلس هاكرز".
لقد سقطت ورقة التوت، وباتت عبارة «النضال» التي يختبئ خلفها الرجل أشبه بقطعة ديكور رخيصة في مسرحية رديئة الإخراج. فكلما خرج ليقدم نفسه بطلاً، خرجت تسريبات جديدة لتضع أمام المتابعين سؤالاً أكثر إحراجاً.
وفي الحلقة الثالثة عشرة من التسريبات، برز اسم فؤاد بيركان سوستام (FUAT BİRKAN SUSTAM)، المقيم في تركيا، باعتباره أحد الأسماء المتكررة في مراسلات واتصالات جيراندو.
وتظهر محادثات عبر «واتساب» تتضمن تنسيقاً حول وثائق وتحويلات ومعاملات مالية، إلى جانب إشارات إلى وسائل لتحويل الأموال، من بينها «MoneyGram» و«Western Union».
وهنا تحديداً يصبح المشهد أكثر إحراجاً لصاحب «النضال» المزعوم؛ لأن الحديث لم يعد، وفق التسريبات، عن خطابات سياسية أو مواقف فكرية، وإنما عن حسابات وأرقام وأسماء ووسطاء ومسارات مالية عابرة للحدود.
الأكثر إثارة في المعطيات المنشورة هو ما يتعلق بمبالغ مالية محددة. فالتسجيلات التي نشرتها «أطلس هاكرز» تتحدث عن مبلغ قدره 10 آلاف دولار، وتربطه باسم عبد الواحد الغزاوي، كما تتحدث عن حساب بنكي في تركيا باسم هشام جيراندو لدى «بنك الزراعات» (Ziraat Bankası).
ولا تتوقف القصة عند هذا الحد؛ إذ تشير التسريبات إلى إيداع مبلغ قدره 500 دولار في الحساب، وإلى تحويل آخر بقيمة 2000 دولار عبر وسيط من عائلته يدعى حمزة العسري، مع تعليمات بتسليم المبلغ إلى بيركان وإعادة إيداعه في الحساب المنسوب إلى جيراندو.
وبين 500 دولار و2000 دولار و10 آلاف دولار، يبدو أن «النضال» الذي ظل جيراندو يقدمه لجمهوره كان يحتاج إلى دفتر حسابات أكثر مما يحتاج إلى منصة خطابية.
كما تتحدث التسريبات كذلك عن عراقيل واجهت بعض التحويلات عبر «MoneyGram»، قبل الانتقال إلى وسائل أخرى، من بينها «Western Union». كما تظهر إشارات إلى وثائق بنكية وقروض ومعاملات مرتبطة بـ«İşbank»، فضلاً عن أسماء أخرى مرتبطة بالمراسلات.
وكشفت التسريبات أن عالم جيراندو يبدو مشغولاً بشيء مختلف: من يرسل؟ من يستلم؟ عبر أي وسيط؟ وإلى أي حساب؟
إنها صورة لا تحتاج إلى كثير من الشرح كي تدفع المتابع إلى التساؤل عما إذا كان «النضال» مجرد واجهة براقة لنشاط آخر لا علاقة له بالشعارات التي يرددها صاحبها.
وتتحدث مواد منشورة أخرى عن تحويل مبلغ قدره 20 مليون سنتيم مغربي إلى تركيا، عبر وسطاء من بينهم أمين الغزاوي ومصطفى الحروشي، في سياق تقدمه التسريبات باعتباره جزءاً من مسارات مالية مرتبطة بجيراندو.
كما تشير التسريبات إلى ارتباط بعض هذه الأموال بتمويل أنشطة للهجرة غير النظامية، فضلاً عن الإشارة إلى أسماء أخرى، من بينها مهدي حجاوي وعبد الواحد الغزاوي.
وهنا تتسع الصورة من مجرد مراسلات متفرقة إلى شبكة من الأسماء والتحويلات والوسائط المالية، ليظهر أن المشكل الحقيقي لجيراندو تتجلى في كون الرواية التي صنعها لنفسه أصبحت تصطدم، مرة بعد أخرى، بما تنشره التسريبات من وثائق ومحادثات وتسجيلات.
لقد أمضى الرجل وقتاً طويلاً في لعب دور الواعظ الذي يوزع الاتهامات على الآخرين، وكأنه يمتلك صكوك البراءة والنزاهة والشرف. لكن عندما يصبح هو نفسه موضوعاً للتساؤلات حول الأموال والحسابات والوسطاء، تتحول المسرحية إلى مشهد مثير للسخرية.
فمن السهل جداً أن تصرخ في وجه الآخرين وتتهمهم بالفساد والخيانة والعمالة، ومن السهل أن تقدم نفسك باعتبارك «صوت الشعب»؛ لكن الأصعب هو أن تجيب عن الأسئلة التي تطرحها الوثائق والتسجيلات والمبالغ والحسابات التي تظهر باسمك أو في محيطك.
جيراندو لم يعد ذلك «البطل» الذي حاول أن يقنع الناس بأنه يعيش من أجل قضية. لقد أصبح هو نفسه القضية، وأصبحت قصته تحتاج إلى تفسير أكثر مما تحتاج إلى خطبة جديدة أمام الكاميرا. وكلما ارتفع صوته بالحديث عن «النضال»، عاد سؤال المال ليطرق الباب.
وكلما حاول تغطية المشهد بشعاراته، ظهرت أسماء جديدة وأرقام جديدة وتحويلات جديدة، تؤكد انغماسه في مستنقع الابتزاز.
قناع جيراندو أصبح أكثر من مهترئ، وظهرت حقيقته أمام الملأ، ليكتشف العالم أجمع أنه مجرد نصاب ومبتز يلهث وراء المال بوسائل دنيئة وخبيتة.






