لكن قبل الاحتفاء بهذا الارتفاع، يطرح السؤال نفسه: عن أي ثروة نتحدث؟
فثروة البلد، ودخل سكانه، وإنتاجه السنوي، والثروة التي يملكونها في شكل أصول، هي أربع حقائق مختلفة. والخلط بينها قد يؤدي إلى استنتاجات بعيدة عن حقيقة مستوى معيشة السكان.
يقيس تقرير UBS أساساً صافي ثروة الأفراد، أي قيمة الأصول المالية وغير المالية التي تملكها الأسر بعد خصم ديونها. وهذه مقاربة مفيدة لأنها لا تكتفي بالدخل، بل تأخذ بعين الاعتبار تراكم الثروة. غير أن قيمة هذه الأصول يمكن أن ترتفع بصورة كبيرة من دون أن يقابلها بالضرورة إنتاج جديد بالقيمة نفسها.
فارتفاع قيمة منزل من 500 ألف إلى 700 ألف دولار يزيد ثروة مالكه بمقدار 200 ألف دولار، كما أن ارتفاع سعر سهم بنسبة 30% يزيد ثروة صاحبه. لكن ذلك لا يعني أن إنتاجاً جديداً بقيمة مماثلة قد تحقق.
ثروة عالمية بتمثيلية جغرافية غير متكافئة
هناك أيضاً ملاحظة ضرورية تتعلق بنطاق التقرير الجغرافي فهو يغطي 56 سوقاً، تقول UBS إنها تمثل أكثر من 92% من الثروة العالمية المقدرة. وتشمل العينة أوروبا والأمريكيتين وآسيا-المحيط الهادئ والشرق الأوسط وإفريقيا.
لكن هذه التغطية ليست متوازنة جغرافياً. ففي إفريقيا لا تمثل العينة سوى بلد واحد هو جنوب إفريقيا، في حين لا نجد أي بلد من شمال إفريقيا أو غربها أو وسطها.
وهذا لا يقلل من قيمة التقرير، لكنه يقتضي قدراً من الحذر عند الحديث عن «الثروة العالمية». فنحن أمام تقدير يستند إلى عينة واسعة، لكنها تظل غير متكافئة من حيث التمثيل الجغرافي.
ثروة كبيرة، ولكن شديدة التركّز
تكشف أرقام التقرير عن تركّز كبير للثروة. فالولايات المتحدة تستحوذ وحدها على 35.7% من الثروة الشخصية، والصين على 18.5%، أي أن البلدين يجمعان أكثر من نصف الثروة التي يغطيها التقرير. كما تستحوذ أوروبا الغربية على 21.9%.
وتظهر الفوارق بصورة أوضح عند احتساب الثروة لكل بالغ. لكن المتوسط قد يكون مضللاً في المجتمعات شديدة التفاوت. ففي الولايات المتحدة، تبلغ الثروة المتوسطة للفرد البالغ 696,277 دولاراً، بينما لا تتجاوز الثروة الوسيطة68,998 دولاراً.
ولهذا ينبغي ألا ننظر إلى المتوسط بمعزل عن الوسيط ومعامل جيني الذي يقيس توزيع الثروة. ويبلغ معامل جيني للثروة مستويات مرتفعة في عدد من البلدان، منها الإمارات العربية المتحدة وروسيا وجنوب إفريقيا والبرازيل والولايات المتحدة، بينما هو أقل في فرنسا وكوريا الجنوبية واليابان.
فالثراء ليس مسألة كمّ فقط، وإنما هو أيضاً مسألة توزيع.
الثروة المالية ليست بالضرورة الثروة المنتجة
هنا نصل إلى سؤال أكثر عمقاً. فالثروة التي يقيسها التقرير هي رصيد من الأصول، بينما الناتج الداخلي الإجمالي هو تدفق سنوي للإنتاج، والدخول ترتبط بهذا الإنتاج وبإعادة توزيعه.
ولا ينبغي، بطبيعة الحال، وضع التمويل والاقتصاد الحقيقي في تعارض مصطنع. فالأسواق المالية تؤدي وظيفة أساسية عندما توجه الادخار نحو الاستثمار المنتج، وتتيح للمؤسسات تعبئة رأس المال وتمويل الابتكار.
لكن الإشكال يظهر عندما تصبح الأسواق أساساً مجالاً لإعادة تقييم الأصول الموجودة والمضاربة عليها. فقد يؤدي ارتفاع قيمة شركة مدرجة بنسبة 20% إلى ظهور مئات مليارات الدولارات من الثروة الإضافية على الورق، من دون أن يترتب عن ذلك في الوقت نفسه ارتفاع مماثل في إنتاج السلع والخدمات أو في عدد مناصب الشغل أو الدخول.
والشيء نفسه ينطبق على العقار: فقد ترتفع أسعار المساكن بشكل كبير، فتزداد ثروة المالكين، من دون أن ترتفع بالقدر نفسه قيمة الإنتاج الوطني.
لذلك ينبغي التمييز بين الثروة المتراكمة في شكل أصول والثروة التي ينتجها الاقتصاد.
كما أن الأرقام بالدولار تتأثر بتقلبات أسعار الصرف. وبالتالي فإن جزءاً من الارتفاع المقاس في الثروة قد يعود إلى إعادة تقييم الأصول وإلى تغيرات سعر الصرف، وليس فقط إلى تراكم أو إنتاج جديد.
السؤال الحقيقي: من يزداد ثراءً وكيف؟
في النهاية، ليست المسألة في معرفة ما إذا كانت ثروة العالم قد ازدادت؛ فتقرير UBS يقدم ما يكفي من المعطيات للإجابة بالإيجاب.
السؤال الأهم هو: أي ثروة ارتفعت؟ ومن استفاد منها؟ وإلى أي حد انعكس هذا الارتفاع على ظروف عيش السكان؟
فقد ترتفع قيمة الأصول بصورة قوية من دون ارتفاع مماثل في الأجور. وقد يزداد عدد أصحاب الملايين في مجتمع ما بينما تظل فيه مستويات الفقر مرتفعة. وقد يكون متوسط الثروة في بلد ما مرتفعاً، مع استمرار تفاوتات كبيرة في توزيعها.
لذلك، لا ينبغي اعتبار الثروة patrimonial مؤشراً سيئاً، لكنها تظل مؤشراً واحداً ضمن مؤشرات أخرى، ينبغي ربطه بالدخل والناتج الداخلي والإنتاجية والتشغيل والأجور والقدرة الشرائية والفقر.
فالهدف من التنمية الاقتصادية لا يمكن أن يكون مجرد الرفع المتواصل لقيمة الأصول المالية والعقارية، وإنما خلق ثروة منتجة ومستدامة وشاملة ، قادرة على أن تتحول إلى مناصب شغل لائقة، ودخول أفضل، وخدمات عمومية أكثر جودة، وتقليص للفقر والتفاوتات.
وفي النهاية، لا ينبغي أن تكون وظيفتنا هي عدّ أصحاب الملايين فقط، ولا حتى قياس حجم الثروة المتراكمة. الأهم هو معرفة ما الذي تنتجه هذه الثروة للمجتمع وللناس الذين يعيشون فيه.
فهذا هو المفارقة التي يضعنا أمامها تقرير «الثروة العالمية»: إنه يقول لنا إن العالم أصبح أكثر ثراءً، لكنه يدفعنا في الوقت نفسه إلى طرح سؤال أكثر أهمية:
هل أصبحنا أكثر ثراءً فعلاً، أم أصبحنا فقط أكثر ثراءً في الأصول؟
فهنا تكمن المسافة بين إغناء الممتلكات وإغناء المجتمعات.






