سياسة واقتصاد

قبل أن يزور فيليبي سبتة المحتلة.. لنسأل مدريد عن إليزابيث وجبل طارق

بنسعيد الركيبي
إذا كان الملك فيليبي السادس يستعد لزيارة سبتة المحتلة، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه على مدريد ليس فقط كيف ستستقبل الرباط هذه الخطوة؟ وإنما أيضا كيف كانت إسبانيا نفسها تستقبل الزيارات الملكية البريطانية إلى جبل طارق؟

التاريخ هنا مفيد، والذاكرة الدبلوماسية الإسبانية تحتفظ بما يكفي من الوقائع. فعندما زارت الملكة إليزابيث الثانية جبل طارق سنة 1954، لم تعتبر إسبانيا الأمر زيارة بروتوكولية داخل أرض تديرها بريطانيا. لقد احتجت مدريد على الزيارة، وأغلقت قنصليتها في جبل طارق قبيلها، ثم دخل الملف مرحلة جديدة من التوتر والقيود الحدودية.

والأهم أن إليزابيث الثانية، رغم حكمها الذي امتد سبعين سنة، لم تعد إلى جبل طارق بعد تلك الزيارة.

وفي سنة 1981، لم يكن تشارلز ملكا ولا أسدا للدولة عندما كان جبل طارق محطة ضمن رحلة شهر عسله مع الأميرة ديانا، ومع ذلك كان الأمر كافيا لكي يمتنع الملك خوان كارلوس والملكة صوفيا عن حضور زفافهما.

وتكرر المشهد سنة 2009 مع زيارة الأميرة آن، ثم سنة 2012 عندما زار الأمير إدوارد وزوجته جبل طارق. يومها عبرت الحكومة الإسبانية رسميا عن استيائها، ووصل الأمر إلى إلغاء الملكة صوفيا مشاركتها في احتفال بلندن بمناسبة اليوبيل الماسي للملكة إليزابيث.

هذه الوقائع تقول شيئا بسيطا مفاده أن إسبانيا نفسها تعتبر الزيارة الملكية إلى إقليم متنازع عليه فعلا محمّلا بدلالة سياسية وسيادية، حتى عندما يكون الزائر مجرد فرد من أفراد الأسرة الملكية وليس رأس الدولة.

وهنا تبدأ المفارقة. فإذا كانت زيارة أمير بريطاني إلى جبل طارق تستحق احتجاج مدريد، فكيف يمكن اعتبار زيارة ملك إسبانيا نفسه إلى سبتة المحتلة مجرد شأن داخلي إسباني لا ينبغي أن يثير حساسية المغرب؟

لا يحتاج المغرب إلى القول إن الوضع القانوني لجبل طارق وسبتة متطابق. فلكل ملف تاريخه ووضعه القانوني والسياسي. والمسألة هنا أبسط إذ من حق الرباط أن تطلب من مدريد الحساسية نفسها التي تطلبها مدريد من لندن عندما يتعلق الأمر بأرض متنازع عليها. حتى إن التجربة البريطانية تقدم درسا جديرا بالتأمل.

بريطانيا لم تتخل عن موقفها من جبل طارق، ولم تتوقف عن إدارة الإقليم، ومع ذلك لم تحتج طوال سبعين سنة من حكم إليزابيث الثانية إلى تكرار زيارة الملكة لإثبات سيادتها عليه.

لذلك يصبح السؤال أكثر إلحاحا في المرحلة الحالية ما الذي ستضيفه زيارة فيليبي السادس إلى سبتة لإسبانيا، وما الذي يمكن أن تخصمه من رصيد الثقة الذي راكمته مدريد والرباط بشق الأنفس منذ المصالحة السياسية لسنة 2022؟ فالسيادة، في النهاية، لا تحتاج في كل مرة إلى استعراض رموزها. والدبلوماسية الناجحة ليست فقط معرفة ما تستطيع الدولة فعله، وإنما معرفة ما يستحسن ألا تفعله عندما تكون كلفة الرمز أكبر من فائدته.

وقبل أن تتخذ مدريد قرارها، ربما يكفي أن تفتح أرشيفها الدبلوماسي وتسأل نفسها سؤالا واحدا: ماذا كانت ستقول إسبانيا لو أعلنت لندن غدا أن ملك بريطانيا سيزور جبل طارق؟