إن الذين يهرعون إلى تمزيق الأعلام في الميادين لا يمزقون في الحقيقة إلا ثيابهم النفسية.
العلم ليس مجرد "قماش" يُشترى بالمتر والألوان بل هو فكرة التي لا تُقطع بالمقصات ولا تُحرق بالولاعات ولا تُمزقها الأيادي الغاضبة.
حين تجد رجلاً يصرخ في الشارع ويمسك برمز دولة ليُمزقه فلا تنظر إلى العلم الممزق بل انظر إلى وجه الرجل.. ستجد فيه خوفاً طفولياً مرعوباً وعجزاً كاملاً عن مواجهة الحقيقة.
إنها سيكولوجية المهزوم يا صديقي.. مَن يعجز عن مقارعتك بالعقل يهاجم ظلك ومَن يفلس في مضمار السياسة والدبلوماسية يهرول إلى قطعة القماش ليمارس عليها بطولات وهمية!
تمزيق علمنا بمدريد وأمام البرلمان الإسباني هو الاعتراف الأخير والواضح جداً بـ "الرعب"..
الرعب من صاحبه والرعب من صعوده ومن ثباته.
إنها شهادة طبية تُثبت أن العقل يمر بحالة إفلاس تام وأن صاحبه قد غادر عالم الحضارة والمنطق ليختبئ وراء سلوكيات البدائيين الأوائل الذين كانوا يظنون أن حرق الرموز يُلغي وجود الأرواح.
وتدري ما هو الأشد إيلاماً في هذه المسرحية؟
أن مَن يُمزّق العلم يظن في تلك اللحظة أنه يمارس بطولة تاريخية بينما هو في واقع الأمر يمارس علاجاً نفسياً رخيصاً..
يحاول أن يُقنع نفسه المذعورة فقط بأنه يفعل شيئاً.. وهي الصرخة الأخيرة لمن اكتشف فجأة أنه بلا حجة وبلا مستقبل وبلا خيار سوى أن يصب غضبه على... ثوب. وهكذا تظهر إسبانيا على حقيقتها بلا مساحيق ولا طلاء أوروبي.
فقد استطاعت المساعدات الأوروبية بضخامتها وأرقامها الفلكية أن تبني لها الطرق والموانئ وتفتح لها الأسواق لكنها لم تستطع أن تشتري لها عقلية جديدة.
لقد غيّرت أوروبا جغرافية الاقتصاد الإسباني لكنها عجزت عن أن تُغيّر تاريخ العقدة الاستعمارية الراسخ في النفوس.
والأمرّ من ذلك أن قوتهم الاقتصادية التي يتباهون بها وقف سحرها عاجزاً أمام المفاجأة المغربية والمرعب فيها ليس فقط الموانئ الفائقة ولا البنية التحتية ولا الحركة الجيوسياسية الذكية.. بل هو صعودٌ مجهّز بـ القيم الحضارية الصلبة والكرامة السيادية قبل أي شيء آخر.
هذا هو التغيير المرعب الذي يجمد الدماء في عروق العقلية القديمة:
أن يرى الجار الاستعماري أمامه نداً لا يحتاج لعطف ( بروكسل) ولا يرهبه صراخ الميادين بل يفرض شروطه بأصالة تاريخه ووعيه الحاضر
وإذا كان استقلال القرار المغربي يزعج بعض العقليات القديمة فلتراجع تلك العقليات نفسها
لأن المشكلة ليست في أن المغرب تغيّر بل المشكلة أنهم لم تتقبلوا بعد أنه تغيّر.
وأفضل رد على على هذا السلوك البدائي لا نحتاج فيه إلى حرق أعلامهم.
سنفعل شيئًا أكثر إزعاجًا للعقلية الاستعمارية:
سنواصل التقدم.
لأن أفضل رد على من يريد إعادتك إلى الماضي... أن تجعله عاجزًا عن اللحاق بك إلى المستقبل.






