فن وإعلام

من البنوك الثقافية في مالي إلى بنوك الوقت في سويسرا: حين يصبح الزمن رصيداً

حسان البلعاوي

بعد أن نشرت مقالاً عن تجربة «البنوك الثقافية» في مالي، وهي تجربة لفتت انتباهي لما تحمله من فكرة مبتكرة في حماية التراث وربطه بحياة المجتمعات المحلية، سعدت بالاهتمام الذي أثاره المقال، سواء في فلسطين أو في مالي. وازداد هذا الاهتمام بعد ترجمته إلى اللغة الفرنسية، حيث فتح نقاشاً حول إمكان الاستفادة من هذه التجربة في فلسطين، وربطها بأشكال أخرى من التعاون الثقافي وتبادل الخبرات بين فلسطين ومالي، وبين العالم العربي وأفريقيا بصورة أوسع.

 

ومن بين ردود الفعل التي وصلتني، كتبت إليّ صديقة فلسطينية من رام الله تعمل في مجال الترجمة، وقالت لي بشيء من الدعابة: بعد أن كتبت عن «البنوك الثقافية» في مالي، ربما يقودك ذلك يوماً إلى الكتابة عن «البنوك السويسرية».

 

بدت لي العبارة في البداية مجرد دعابة لطيفة. فسويسرا ارتبط اسمها، في المخيلة العامة، منذ زمن طويل بالبنوك والمصارف التي استقطبت الأموال والثروات من مختلف أنحاء العالم، من رجال أعمال وفنانين وسياسيين وغيرهم، مثلما ارتبط اسمها أيضاً بصناعة الساعات الراقية ودقتها وجودتها. وحين تُذكر سويسرا، تقفز إلى الذهن، إلى جانب جبال الألب والشوكولاتة، صورتان يكاد يصعب الفصل بينهما: البنك والساعة.

 

لكن المفارقة أن دعابة الصديقة الفلسطينية أعادت إلى ذاكرتي موضوعاً آخر تماماً: تجربة سويسرية حقيقية تجمع، بطريقة مدهشة، بين البنك والوقت؛ بنك لا يودع الناس فيه أموالهم، بل يودعون فيه ساعات من حياتهم.

 

وتشاء الصدفة أنه في نفس اليوم ، التقيت بسفير عربي في جمهورية مالي في إحدى المناسبات، ودار بيننا حديث عابر حول مفهوم الوقت واختلاف التعامل معه بين المجتمعات والثقافات. فنقل لي طرفة متداولة تختصر، ببساطتها، الكثير من هذا الاختلاف.

 

تقول الطرفة إن رجلاً أفريقياً كان على موعد مع رجل سويسري، لكنه وصل متأخراً. نظر السويسري إلى ساعته بشيء من التذمر، ثم أشار إليها أمام ضيفه الأفريقي، في رسالة واضحة: لقد تأخرت عن الموعد.

 

فجاءه الرد بسيطاً وبليغاً:

 

«أنت لديك الساعة، أما أنا فلدي الوقت.»

 

قد تكون مجرد طرفة، لكنها تختصر بطريقتها الساخرة اختلافاً في علاقتنا بالزمن. ففي ثقافة يصبح الوقت فيها شيئاً يقاس بالدقائق والثواني، وتصبح الساعة رمزاً للدقة والانضباط، تنظر ثقافات أخرى إلى الزمن باعتباره مجالاً أوسع للحياة والعلاقات الإنسانية، وليس فقط عقارب تتحرك على الميناء.

 

دعابة الصديقة الفلسطينية، ثم حديث السفير العربي وطرفته، أعاداني إلى مقال كنت قد قرأته قبل سنوات طويلة في إحدى الصحف الفرنسية عن تجربة بدت لي، منذ ذلك الوقت، شديدة الغرابة والجاذبية في آن واحد: «بنك الوقت».

 

فكرة المقال التي بقيت عالقة في الذاكرة: ماذا لو استطاع الإنسان أن يفتح حساباً مصرفياً لا يضع فيه المال، وإنما يضع فيه شيئاً آخر أكثر التصاقاً بحياته، وهو الوقت؟

 

عدت للبحث عن المقال وعن التجربة التي تناولها، وقرأت من جديد مواد وتقارير حولها، لأكتشف أن الأمر ليس مجرد فكرة طريفة أو تجربة عابرة، بل نموذج اجتماعي جرى تطويره في سويسرا بأشكال مختلفة، ومن أبرز نماذجه تجربة Zeitvorsorge في مدينة سانت غالن.

 

والفكرة في جوهرها بسيطة: يقدم الإنسان ساعات من وقته لمساعدة الآخرين، فتُسجل الساعات التي قدمها في رصيد زمني باسمه. قد يرافق شخصاً مسناً، يساعده في التسوق أو بعض شؤونه اليومية، يصاحبه إلى موعد، يخرج معه في نزهة، أو يمنحه ببساطة بعض الوقت والصحبة التي يحتاج إليها. وفي المقابل، تبقى الساعات التي قدمها مسجلة في رصيده، ليستفيد منها عندما يأتي يوم يصبح فيه هو نفسه بحاجة إلى مساعدة الآخرين.

 

وهكذا تتحول المعادلة إلى شيء بالغ البساطة والجمال: أعطي ساعتين من وقتي اليوم، فأدخر ساعتين من التضامن للمستقبل.

 

وتعد تجربة سانت غالن من أبرز التجارب السويسرية المنظمة في هذا المجال، ولا سيما في التضامن بين الأجيال ومساعدة كبار السن. فالوقت هنا يصبح وحدة الحساب: الساعة هي الساعة، بصرف النظر عن الثروة والمكانة الاجتماعية. وما يمنحه الإنسان اليوم من وقته يصبح جزءاً من شبكة تضامن اجتماعية يمكن أن تعود فائدتها إليه في مرحلة أخرى من حياته.

 

وبذلك تعيد الفكرة تعريف مفهوم الثروة نفسه. ففي البنك التقليدي يدخر الإنسان المال لأنه يخشى أن يحتاج إليه غداً؛ أما في بنك الوقت، فإنه يدخر شيئاً من التضامن الإنساني استعداداً لليوم الذي قد يحتاج فيه إلى الآخرين.

 

وهنا حضرت في ذهني عبارة أخرى عن الزمن، ارتبطت طويلاً بالرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، الذي لم يكن رجل سياسة ودولة فحسب، بل كان أيضاً رجل ثقافة وأدب، قارئاً نهماً وصاحب مؤلفات عديدة، وكانت علاقته بالكلمة والكتاب جزءاً أساسياً من شخصيته.

 

ومن أشهر العبارات التي ارتبطت به وكان يستعيد معناها في حياته السياسية:

 

«Il faut laisser du temps au temps.»

 

أي: «يجب أن نترك للوقت وقته.»

 

وهي العبارة التي أصبحت تكاد تختصر جانباً من فلسفة ميتران السياسية وعلاقته بالصبر والزمن. فالأفكار ، والتحولات، كما قال في احدى المؤتمرات السياسية، مثل الثمار، تحتاج إلى وقت كي تنضج، ولا يمكن الانتقال مباشرة من البذار إلى الحصاد. والسياسة، في نظره، ليست فقط فن اتخاذ القرار، وإنما أيضاً معرفة اللحظة المناسبة لاتخاذه، والقدرة أحياناً على الانتظار حتى تنضج الظروف.

 

لكن تجربة «بنك الوقت» السويسرية تضيف، من زاوية أخرى، معنى إنسانياً جميلاً إلى هذه الحكمة: ليس علينا فقط أن نعطي الوقت وقته، بل أن نعطي الآخرين أيضاً شيئاً من وقتنا.

 

فالساعة التي يمنحها إنسان اليوم لشخص يحتاج إليه قد تعود إليه بعد عشر سنوات أو عشرين، ليس بالضرورة من الشخص الذي ساعده، وإنما من شخص آخر لم يلتقِ به من قبل. وهنا يصبح المجتمع نفسه هو الضامن لاستمرار سلسلة العطاء: أساعد اليوم لأنني قادر، ويساعدني آخر غداً عندما أصبح محتاجاً.

 

ولعل هذا هو الجانب الأكثر إثارة في الفكرة. فالمال الذي نودعه في البنك يبقى ملكاً لنا، أما الوقت الذي نودعه في هذا «البنك» فلا يمكن الاحتفاظ به فعلياً؛ لقد مضى وانتهى. وما يبقى منه هو قيمة العمل الذي قدمناه للآخرين والثقة بأن مجتمعاً متضامناً سيعيد هذه القيمة إلينا عندما نحتاج إليها.

 

ومن هنا تبدو المسافة بين «البنك الثقافي» الذي تعرفت إليه في مالي و«بنك الوقت» في سويسرا أقل مما قد نعتقد للوهلة الأولى. ففي مالي تصبح الثقافة والتراث والذاكرة الجماعية رأسمالاً اجتماعياً يحافظ عليه المجتمع ويتناقله، وفي سويسرا يصبح الوقت والتضامن والمساعدة المتبادلة رأسمالاً اجتماعياً آخر يمكن للناس أن يتبادلوه عبر مراحل حياتهم.

 

ربما تختلف التجربتان في الشكل والمكان والسياق، لكنهما تلتقيان في سؤال واحد: هل الثروة هي فقط ما نستطيع أن نضعه في حساب مصرفي؟

 

تقول لنا التجربتان إن هناك ثروات أخرى لا تقل قيمة: ثقافة نحميها، وذاكرة نحافظ عليها، وخبرة نتقاسمها، ووقت نهبه لمن يحتاج إليه.

 

وهكذا قادتني دعابة بسيطة حول «البنوك السويسرية» من مالي إلى سويسرا، ومن البنك إلى الساعة، ومن الساعة إلى الوقت، ومن الوقت إلى ميتران، ثم أعادتني في النهاية إلى الفكرة التي بدأت منها: أن أغنى المجتمعات ربما ليست فقط تلك التي تمتلك أكبر الأرصدة المالية، وإنما أيضاً تلك التي تعرف كيف تجعل من ثقافتها وذاكرتها ووقتها وتضامن أبنائها رصيداً مشتركاً للمستقبل.