منذ قرون بعيدة، يحكى أن مدينة سبتة يُنسَب اسمها إلى ما يُعرف بـ«سبت سام» ابن نوح عليه السلام مر بها، تاركا في ترابها ذكرىً تتناقلها الأجيال وتستلهم منها حكايات العبور والبقاء.
ويُحكى أن سبتة كانت على تماسٍّ مع صفحاتٍ مجيدة من تاريخ الفتح، حين مرّت بها ظلالُ موسى بن نصير وعقبة بن نافع، فاختلط اسمها بذكر القادة، وبقيت شاهدةً على زمنٍ كان التاريخ فيه يُكتب على وقع الخطى والرايات.
ويحكى أن للقاضي عياض بسبتة صِلاتٍ لا تُمحى من ذاكرة الحجر والناس. فقد ولد بها ومر في دروبٍها.
ويُحكى أن أبا العباس السبتي خرج من سبتة وفي قلبه بذرة الجود، فحمل إلى الآفاق سيرةً من الزهد والصفاء، ثم أضاءت مراكش بنوره، غير أن سبتة بقيت المهد الأول لذلك الاسم الذي اقترن بالصدق والكرم
ويُحكى أن أبا العباس العزفي السبتي كان من أوائل من أضاءوا في المغرب شعلة الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف، فصار اسمه قرينًا لذكرى تتجدد فيها المحبة ويُستعاد فيها عبق السيرة العطرة
كل هذه سرديات لها وجاهتها في التاريخ، لكن الأكيد إن السلاطين المغاربة وخاصة السلاطين العلويين حملوا كأمراء المؤمنين، كل في مرحلة
ذلك الوعي وتلك الذاكرة، فكانت قضية الثغور جزءاً من تصور أوسع لوحدة الدولة وتثبيت السيادة وصيانة المجال المغربي.
في عهد السلطان مولاي إسماعيل برز هذا الهاجس بوضوح ضمن مشروعه لبناء الدولة وتقوية مؤسساتها واستعادة عدد من الثغور وتعزيز حضور المغرب في محيطه، جامعاً بين الوسائل العسكرية والدبلوماسية والسياسية وفق مقتضيات عصره.
ثم جاء عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله حاملاً معه رؤيةً أكثر اتساعاً للعلاقات الدولية، فاهتم بتنظيم الدولة وتعزيز حضور المغرب الدبلوماسي وتثبيت مصالحه في عالم كانت موازين القوة فيه تتغير بسرعة. وكان الوعي بالتاريخ والحقوق والمكانة الدولية للمغرب حاضراً في سياساته، في محاولة لصون استقلال البلاد وتعزيز قدرتها على الدفاع عن مصالحها.
وفي العصر الحديث، أخذت قضية الثغور أبعاداً جديدة، خصوصاً في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، الذي جعل من الوسائل السلمية والدبلوماسية والحوار أدواتٍ أساسية في معالجة الملفات الوطنية، مع التشديد على أهمية التاريخ والجغرافيا والروابط الإنسانية في فهم القضايا التي تتجاوز حاضرها إلى جذورها البعيدة.
كل الملوك المغاربة والسلاطين أجمعوا على حفظ ذاكرة سبتة
حاضرة في الوعي الوطني والروحي
كرمز من رموز الاستمرارية التاريخية للمغرب.
حاضرةٌ عبر الدعاء في المساجد للإمامة العظمى، وحاضرةٌ عبر إحياء المناسبات الدينية والوطنية، وفي مقدمتها ذكرى المولد النبوي الشريف، وحاضرةٌ كذلك عبر الوشائج والروابط الجغرافية والتاريخية مع مدن الشمال
ومهما واصل الإسبان التعطيل والتلكؤ في إيجاد الحل، فإن منطق الجغرافيا والتاريخ والدين والوجدان سيظل هو الحاسم في النهاية.
لقد أكد الملك الراحل الحسن الثاني أن مستقبل سبتة ومليلية لا ينفصل عن تسوية ملف جبل طارق بين اسبانيا وبريطانيا، ومع تبدل المعطيات في هذا الملف، بات على إسبانيا أن تتعامل بجدية مع إرثها الاستعماري في سبتة ومليلية.
في انتظار ذلك، يعمل المغرب في عهد أمير المؤمنين الملك محمد السادس على تعزيز حضوره بالبعد الديني والثقافي ومكانته الجيو سياسية ضمن نموذج قائم على الوسطية والاعتدال، كما ازدادت عنايته بالتراث والذاكرة بما يسمح بإعادة اكتشاف الوجوه المضيئة في التاريخ المغربي، وإبقاء أسماء المدن والعلماء حاضرةً في وعي الأجيال الجديدة.






