سياسة واقتصاد

حوار افتراضي مع الأحزاب السياسية المغربية -الجزء الأول-

المصطفى المريزق (فاعل مدني ومؤسس الطريق الرابع)
لماذا نحاور الأحزاب؟

لسنا هنا لمحاكمة الأحزاب، ولا لإنكار أدوارها التاريخية، ولا للتقليل من تضحيات مناضليها.

فالأحزاب المغربية، بمختلف مرجعياتها وتوجهاتها، كانت ولا تزال جزءاً أساسياً من تاريخ بناء الدولة والمجتمع والحياة السياسية الوطنية. بعضها حمل ذاكرة النضال من أجل الديمقراطية، وبعضها ساهم في تدبير الشأن العام، وبعضها عبّر عن فئات اجتماعية وثقافية ومجالية مختلفة.

لكن السياسة لا تعيش بالتاريخ وحده.

التاريخ يُحترم، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن الحاضر، والحاضر لا معنى له إذا لم يكن قادراً على إنتاج المستقبل.

والمغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس.

هناك أجيال جديدة، وتحولات ديمغرافية وثقافية عميقة، واقتصاد يتغير، وتكنولوجيا تعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية والسياسية، وشباب يبحث عن مكانه، ونساء يطالبن بموقع يتجاوز الحضور الرمزي، ومجالات ترابية تعرف تفاوتات كبيرة، ومجتمع يعيش تحولات في علاقته بالدولة والمؤسسات والأحزاب.

لذلك نريد أن نحاور الحزب، لا الشخص.

نريد أن نسأله عن وظيفته، وعن مشروعه، وعن علاقته بالمواطن، وعن موقعه داخل المؤسسات، وعن قدرته على ممارسة النقد والنقد الذاتي، وعن استعداده للمحاسبة.

وهذا الحوار ليس ضد حزب بعينه.

إنه حوار مع الأحزاب جميعها: أغلبية ومعارضة، يميناً ويساراً ووسطاً.

السؤال: قبل أن نسألكم ماذا فعلتم، دعونا نسأل: ما هو الحزب بالنسبة إليكم؟ هل الحزب مجرد آلة انتخابية تستيقظ قبل الانتخابات ثم تخفت بعد إعلان النتائج؟ أم أنه مؤسسة ديمقراطية دائمة، مهمتها تأطير المواطنين، وتكوين النخب، وإنتاج الأفكار، والتعبير عن المصالح الاجتماعية، والمساهمة في تخليق الحياة العامة، والمشاركة في المؤسسات ومراقبة السلطة وممارسة السلطة عندما يفوز؟

الحزب:

الحزب ليس جمعية انتخابية موسمية. وظيفته أوسع من ذلك بكثير. إنه مدرسة للمواطنة، ومؤسسة للتكوين السياسي، وفضاء لإنتاج الأفكار، ووسيط بين المجتمع والدولة.

لكننا نعترف بأن جزءاً من الأحزاب ابتعد أحياناً عن هذه الوظائف، وأصبح التركيز على الانتخابات والمقاعد والنخب أقوى من التركيز على التكوين والتأطير وإنتاج البدائل.

السؤال:

وهنا تبدأ المسؤولية.. فالحزب الذي لا يُكوّن المواطنين لا يستطيع أن يطلب منهم الثقة. والحزب الذي لا يُكوّن مناضليه لا يستطيع أن يضمن نخباً قادرة على تدبير المؤسسات. والحزب الذي لا ينتج الأفكار يتحول تدريجياً إلى جهاز انتخابي.

ثانياً: الحزب ومسؤوليته في تخليق الحياة السياسية

السؤال:

الدستور والقانون لا ينظران إلى الأحزاب باعتبارها مجرد كيانات تتنافس على المقاعد. الحزب مسؤول أيضاً عن المساهمة في تأطير المواطن، وتنظيم المشاركة السياسية، والمساهمة في تخليق الحياة العامة.

فهل تقومون فعلاً بهذه الوظائف؟

الحزب:

نعترف بأن هناك مسافة بين الوظيفة التي ينبغي أن يقوم بها الحزب وبين الممارسة الفعلية.

السؤال:

إذن، ألا تحتاج الأحزاب نفسها إلى مراجعة عميقة لطريقة اشتغالها؟ نريد حزباً يربي على الحوار، لا على التصفيق؛ حزباً يربي على الاختلاف، لا على الولاء الشخصي؛ حزباً يقبل النقد، ولا يعتبر كل نقد مؤامرة؛ حزباً يمارس النقد الذاتي قبل أن يطالب الآخرين بمحاسبته.

الحزب:

النقد الذاتي صعب، لأن الاعتراف بالخطأ قد يُفهم سياسياً باعتباره ضعفاً.

السؤال:

لكن ألا يكون العكس هو الصحيح؟

أليس الحزب الذي يعترف بخطئه أكثر قوة من حزب يصر على تبرير أخطائه؟

الديمقراطية ليست فقط أن ننتقد الحكومة والمعارضة والخصوم. الديمقراطية تبدأ أيضاً عندما يستطيع الحزب أن ينظر إلى نفسه في المرآة.

رابعاً: من المسؤول عن المحاسبة؟

عندما يصل حزب إلى السلطة، من يحاسبه؟

المواطن في الانتخابات، نعم. لكن ماذا عن المحاسبة السياسية والأخلاقية داخل الحزب نفسه؟ هل تتم محاسبة المسؤول الحزبي على قراراته؟ هل تتم مراجعة الوعود الانتخابية؟ هل تقدم الأحزاب حصيلة واضحة للناخبين؟

الحزب:

المحاسبة جزء من الممارسة الديمقراطية، لكنها تحتاج إلى تطوير داخل التنظيمات الحزبية...في الحقيقة مثل هذه الأسئلة محرجة ولم أكن انتظرها في هذا الحوار.

السؤال:

إذن نريد أن نعرف: هل تستطيع الأحزاب أن تجعل المحاسبة ثقافة داخلية، لا مجرد شعار انتخابي؟ نريد من فلكم جوابا واضحا ومسؤولا !

الحزب:

نعم، ونعتقد أن المحاسبة يجب أن تبدأ من داخل الحزب قبل أن يطالب بها المواطن. سنعمل على ترسيخ النقد والنقد الذاتي، وتقييم المسؤولين والمنتخبين على أساس النتائج، والاعتراف بالأخطاء بدل تبريرها. فالحزب الذي لا يحاسب نفسه، لا يحق له أن يطلب ثقة المواطن.

سؤال:

لماذا لم نصل بعد إلى قطبية واضحة؟

دعونا نذهب إلى سؤال أكثر عمقاً.

لماذا لم نصل، بعد عقود من الممارسة السياسية، إلى مشهد حزبي واضح المعالم: يمين، وسط، يسار؟

في السابق كان الصراع السياسي والإيديولوجي أكثر وضوحاً. كانت هناك أحزاب تاريخية تحمل مشاريع ومرجعيات مختلفة، وكان هناك صراع حول الدولة والمجتمع والاقتصاد والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. أما اليوم، فأحياناً يبدو المشهد أكثر التباساً.

هل ما زلنا أمام يمين ويسار ووسط؟ أم أننا أمام إعادة تشكيل جديدة للخريطة السياسية؟

الحزب:

أعتقد أننا أمام خريطة سياسية جديدة لم تستقر بعد؛ فالحدود التقليدية بين اليمين واليسار والوسط أصبحت أكثر مرونة، وأصبح التمايز الحقيقي مرتبطاً بالمشاريع والبرامج أكثر من التسميات الإيديولوجية.

السؤال:

أحياناً يبدو أن اليسار يوجد في خندق، بينما تتصارع قوى من اليمين والوسط فيما بينها على قيادة المجال السياسي.

فهل نحن أمام قطبية يسارية من جهة، وتنافس داخل اليمين والوسط من جهة أخرى؟ أم أن هذا التصنيف نفسه لم يعد صالحاً لفهم السياسة المغربية؟

الحزب:

ربما تغيرت طبيعة الصراع. لم تعد الحدود الإيديولوجية القديمة كافية لتفسير التحالفات والمواقف.

السؤال:

لكن إذا كانت الحدود بين اليمين واليسار والوسط قد أصبحت غير واضحة، فما الذي يميز الأحزاب عن بعضها؟ إذا كانت البرامج متشابهة، والخطابات متقاربة، والتحالفات تتغير باستمرار، فلماذا يصوت المواطن لهذا الحزب وليس ذاك؟

الحزب:

 نحن اليوم ربما إنتقلنا، وأقولها بكل صراحة، من الصراع الإيديولوجي إلى صراع المواقع.

السؤال:

في الماضي كان هناك صراع بين أحزاب تاريخية وأحزاب وُصفت في مراحل معينة بالأحزاب الإدارية. اليوم تغيرت اللغة السياسية وتغيرت الخريطة. لكن هل تغير جوهر الصراع؟

هل أصبحنا أمام صراع بين مشاريع سياسية حقيقية؟ أم أمام صراع على المواقع والنفوذ والمقاعد والقدرة على الوصول إلى الحكومة؟

الحزب:

السياسة بطبيعتها صراع من أجل تدبير السلطة...واللي عطا الله هو هادا"..نريد قبل كل شيئ الحصول على المقاعد بالدرجة الأولى لنصل إلى الحكم، والباقي تفاصيل.

السؤال:

صحيح.

لكن السؤال ليس فقط: من يحكم؟

السؤال الأهم: لماذا يحكم؟ وبأي مشروع؟ ولصالح من؟ وبأي أدوات؟ وإلى أين يريد أن يقود البلاد؟

الحزب:

الحكومة الحالية تقترب من نهاية ولايتها. لكن وبكل صراحة، المشهد السياسي يوحي بوجود تنافس واضح بين مكونات أساسية من الأغلبية الحكومية...من دون أن أسميها..

وسنكون " والله أعلم" أمام واقع سياسي جديد يسمح لمن كان يحلم بالوصول إلى الحكومة منذ سنوات..أن يحقق حلمه، ويتقاسم مع من يشبهه هذا الموقع.  

السؤال:

هل نحن إذن أمام مجرد تنافس انتخابي طبيعي؟ أم أن الأمر يعكس صراعاً على قيادة المرحلة المقبلة؟ وهل يمكن أن يتحول هذا التنافس إلى قطبية سياسية جديدة؟ نريد جواباً واضحاً من فضلكم.

الحزب:

هذا الغموض، وهذه الضبابية هي التي تبعد المواطن عن الحزب.

جوابي قلته في السؤال الأخير. نذهب إلى إخراج سياسي جديد..بمعنى تناوب آخر..؟!

السؤال:

عندما يبتعد المواطن عن الحزب، هل المشكلة دائماً في المواطن؟ هل أصبح المواطن غير مهتم بالسياسة؟ أم أن الأحزاب نفسها لم تعد قادرة على إقناعه بأن السياسة يمكن أن تغير حياته؟

الحزب:

أتحفظ على الجواب !

السؤال:

المواطن يسأل عن المدرسة، عن المستشفى، عن الشغل،عن الأسعار، عن السكن، عن النقل، عن العدالة الاجتماعية، عن الضرائب..عن المستقبل.

فهل تجيبونه عن هذه الأسئلة بلغة سياسية مفهومة؟

الحزب:

نعم، كل الأحزاب تقدم وعودا من أجل هذه المطالب المشروعة. وواجبنا أن نحول هذه الأسئلة اليومية إلى سياسات واضحة وحلول قابلة للتنفيذ، بلغة يفهمها المواطن ويستطيع محاسبتنا عليها.

السؤال:

لماذا تتحول الحملات الانتخابية أحياناً إلى مناسبات للأكل والاحتفال والأهازيج والفرجة؟

نعم، لا مشكلة في الفرح، ولا في الثقافة الشعبية. لكن هل يجوز أن يتحول الاختيار الديمقراطي إلى مهرجان، بينما يغيب البرنامج؟

يمكن أن نغني ونحتفل. لكن قبل الاحتفال، نحتاج إلى أن نعرف:

ماذا سيحدث بعد التصويت.

يتبع