أول درس حقوقي تعلمته في حياتي، وأنا طفلة تتلمس خطواتها الأولى نحو المدرسة، كان نضال أمي في سبعينيات القرن الماضي لكي أحصل على مقعد دراسي بمدرسة عمومية. رفضت أن أدخل مركزًا خاصًا بالأشخاص في وضعية إعاقة، إيمانًا منها بأن لي الحق الكامل في مقعد مع باقي الأطفال، وأن إعاقتي ليست مبررًا لحرماني من هذا الحق، تمامًا كما ناضلت ليكون قسمي في الطابق السفلي.
وأنا أكتب هذه السطور، تتراءى أمامي مشاهد خزنتها ذاكرتي الصغيرة لأمي، بجلبابها ولثامها المغربيين الأصيلين، وهي تحاول إقناع مدير مدرسة لالة الياقوت بالحي المحمدي بحقي في الطابق السفلي، لأنني أجد صعوبة في صعود السلالم. كانت تحاول الإقناع تارة بلطف، وتارة بحزم، وتارة بغضب… ومنذ ذلك الموقف، تشربت أولى أبجديات عدم التفريط في حقوقي وحقوق غيري، وعلى رأسها حقي في التمدرس وفي الطابق السفلي!
أكملتُ نضال أمي كلما تقدمت في السن؛ فكنت تارة أتمكن من انتزاع حق من حقوقي، وتارة أخرى أعجز أمام عقليات كانت صلبة، تمتنع معها أن تلين وتتقبل أنني لا أطالب بامتيازات، بل فقط بحقوق تحترم كرامتي التي تخولها لي مواطنتي.
لازمني النضال ورافقني في مشواري الدراسي حتى آخر قسم دراسي ولجته ببلادنا؛ بكلية ظهر المهراس بفاس، مرورًا بإعدادية المستقبل، وثانوية مصطفى المعاني، وكلية العلوم بطريق الجديدة، وكلية الآداب عين الشق، ومعهد الإعلام بدرب عمر.
ربحت تارة رهان النضال وخسرته مرات، لكنني لم أخسر يومًا رهان ما علمته لي أمي وهي ترابط أيامًا أمام إدارة المدرسة من أجل قسم في الطابق السفلي، أو ترابط أمام إدارة إعدادية المستقبل لتسجيلي في مؤسسة تعليمية قريبة من بيتنا، لأن إعدادية حمان الفطواكي كانت بعيدة جدًا عن المنزل.
نضال الآباء، وخصوصًا الأمهات، من أجل أطفالهم لا يجب الاستهانة به أبدًا؛ فهن يربين أبناءهن على الدفاع عن حقوقهم. هذه السطور أهمس بها في أذن كل أم لطفل في وضعية إعاقة تناضل هذه الأيام من أجل حقه في التعليم؛ لكي تنتبه إلى أن ابنها أو بنتها يتعلمان منها أول درس في الدفاع عن حقوقهما. فلا تضعف، وتواصل رغم كل الصعوبات والتعقيدات والعقليات المتحجرة، وتواصل ما بدأته أمهات السبعينيات.
ولا تتوقفي، فأنت تزرعين أولى بذور شخصية قوية، وتسقين في شرايين طفلك أولى جرعات محلول الدفاع عن حقوقه.
كل التحية لآباء وأمهات التلاميذ في وضعية إعاقة، ولكل الجمعيات والفاعلين الحقوقيين، والأطر التربوية والإدارية والمفتشين الذين يبذلون جهدًا جبارًا لينعم هؤلاء الأطفال بمقعد دراسي في مدرسة تضمن الولوجيات الشاملة.
وتحية وفرح وفخر كبيرون بهؤلاء الأطفال المفعمين بإرادة صلبة لا تنكسر.
كل الشكر لأمي الحبيبة، التي لولا نضالها ووعيها، هي وأبي، رحمة الله عليه، لما كتبت هذه السطور؛ كتبتها بحرقة، لأن بعض العقليات ضيعت عليّ الكثير من حقوقي، وبافتخار كبير لأن الله أنعم عليّ بأم وأب عظيمين.
تحية لكل من يعانون الأمرين ليجدوا مدارس تقبل أطفالهم، خصوصًا ذوي الإعاقة الذهنية الخفيفة، دون أن ننسى الارتفاع المهول لتكاليف المراكز الخاصة، التي تعجز الأسر محدودة الدخل عن توفيرها.
وفي انتظار أن تتحمل الدولة مسؤوليتها الكاملة تجاه هذه الشريحة، نأمل دورًا كبيرًا وأكثر فاعلية من الجمعيات للتخفيف من هذه المعاناة.
وأتمنى دخولًا مدرسيًا موفقًا لجميع تلاميذ وطلبة بلدنا الحبيب، دون تمييز. فنحن الأشخاص في وضعية إعاقة لسنا «معاقين» ولا «معوقين»، نحن فقط مختلفون، نحن أسوياء مثلكم، لنا نفس الحقوق وعلينا نفس الواجبات تجاه الوطن.
فرجاءً، لا تحرموا جيل اليوم مما حُرم منه جيلي، ولا تضيعوا طاقات بلدنا. فنحن لسنا عاجزين… نحن ذوو الهمم، وقادرون مثلكم تمامًا.






