في الثامن من أغسطس/آب تحل الذكرى الثانية لرحيل الصحفي والكاتب والمفكر الفلسطيني بلال الحسن، الذي توفي في باريس في 8 أغسطس/آب 2024 عن خمسة وثمانين عاماً، بعد مسيرة طويلة امتزجت فيها الصحافة بالسياسة والفكر والقضية الفلسطينية. وبعد رحيله نُقل جثمانه إلى المغرب، حيث ووري الثرى في مقبرة الشهداء بالرباط، ليكون المغرب محطته الأخيرة بعد حياة فلسطينية طويلة توزعت بين اللجوء والمنفى وعواصم عربية وأوروبية عديدة.
غير أن بلال الحسن بالنسبة إليّ لم يكن مجرد اسم بارز في تاريخ الصحافة الفلسطينية والعربية، ولا مجرد شخصية سياسية عرفتها من الكتب والصحف. فقد عرفته أول مرة وأنا فتى صغير في دولة قطر، من خلال والدي فتحي البلعاوي، رحمه الله، الذي كان تربوياً وكاتباً، ومن خلال شقيق بلال، أستاذ اللغة الإنجليزية مسعود الحسن، العم أبو مهند، أطال الله في عمره، عندما كنا نقطن في العمارة السكنية نفسها في الدوحة.
ومن والدي عرفت أن بلال ينتمي إلى عائلة فلسطينية سياسية وفكرية مميزة، خرج منها قادة ومفكرون سلكوا اتجاهات سياسية مختلفة، لكن فلسطين بقيت القاسم المشترك بينهم. وكان بلال يمثل في مرحلة من حياته التيار اليساري، إذ كان عضواً في المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وممثلها في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
ولد بلال محمد سعيد الحسن عام 1939 في قرية إجزم في قضاء حيفا، واقتلعته النكبة وهو طفل من وطنه مع أسرته. وعاش منذ ذلك الحين تجربة اللجوء والتنقل التي طبعت جيلاً كاملاً من الفلسطينيين. درس الفلسفة في جامعة دمشق، لكنه وجد طريقه سريعاً إلى الصحافة والعمل السياسي، ليصبح لاحقاً واحداً من أبرز الصحفيين والمحللين السياسيين الفلسطينيين والعرب.
عمل في الصحافة اللبنانية والفلسطينية، وارتبط اسمه بتجارب صحفية وفكرية مهمة، بينها مجلة «الحرية» و«شؤون فلسطينية»، ثم جريدة «السفير» في بيروت إلى جانب مؤسسها الصحفي اللبناني الكبير الراحل طلال سلمان. لكن تجربته التي بقيت بالنسبة إليّ الأكثر حضوراً وتأثيراً كانت تلك التي صنعها في باريس مع مجلة «اليوم السابع».
اكتشافي الثاني لبلال الحسن… من بوردو
إذا كنت قد عرفت اسم بلال الحسن للمرة الأولى في طفولتي في قطر، فإنني اكتشفته فعلياً كصحفي وكاتب ومحلل سياسي عندما كنت طالباً في فرنسا.
عندما أبصرت مجلة «اليوم السابع» النور في باريس عام 1984، والتي أسسها بلال الحسن مع نخبة من الصحفيين اللبنانيين والفلسطينيين والعرب، كان عدد منهم من زملائه في تجربة «السفير»، كنت آنذاك طالباً في مدينة بوردو.
ومنذ العدد الأول، وبحسي السياسي البسيط في ذلك الوقت، شعرت بأن شيئاً مختلفاً قد ظهر في الصحافة العربية. كانت مجلة جديدة في الشكل والمضمون، وسرعان ما أصبحت بالنسبة إليّ بوصلة أسبوعية أستقي منها معلوماتي وأحاول من خلالها فهم ما يجري داخل منظمة التحرير الفلسطينية، أكثر مما كنت أجد أحياناً في مجلتها المركزية الرسمية «فلسطين الثورة»؛ وهي المفارقة التي تحمل بالنسبة إليّ معنى شخصياً، لأنني بعد قرابة عقد من الزمن سأصبح مراسلاً لـ«فلسطين الثورة» نفسها.
كانت المجلة الرسمية تصلني من قبرص عبر البريد من خلال الاتحاد العام لطلبة فلسطين، أما «اليوم السابع» فكانت لها طقوس مختلفة تماماً.
كنت أنتظر صباح كل يوم اثنين، وأذهب إلى إحدى المكتبات في بوردو التي تبيع الصحف والمجلات العربية لأشتري العدد الجديد. ولم تكن قراءة تنتهي في اليوم نفسه؛ كان العدد يرافقني طوال الأسبوع، أقرأه من الغلاف الأول إلى الغلاف الأخير.
وربما لهذا السبب أستطيع اليوم أن أتحدث عن «اليوم السابع» باعتبارها أكثر من مجلة بالنسبة إلى جيلي. لقد كانت بالنسبة إليّ أشبه بـجمهورية ثقافية وسياسية عربية صغيرة مقرها باريس، يدخل إليها في كل أسبوع كتاب وصحفيون ومثقفون من المشرق والمغرب، وتلتقي على صفحاتها مدارس فكرية وسياسية وتجارب ثقافية مختلفة.
ومن هنا جاء بالنسبة إليّ معنى «جمهورية اليوم السابع».
افتتاحية بلال الحسن… لفهم ما يدور داخل القرار الفلسطيني
كانت افتتاحيات بلال الحسن أول ما أبحث عنه.
وجدت فيها شرحاً سياسياً وافياً وذكياً للموقف الفلسطيني في واحدة من أصعب مراحل تاريخ منظمة التحرير. فقد جاءت «اليوم السابع» بعد الخروج الفلسطيني من بيروت عام 1982، وفي أعقاب انقسام داخلي حاد داخل حركة فتح ومنظمة التحرير، تدخلت فيه أطراف عربية، وفي وقت كانت القيادة الفلسطينية تبحث عن طريق سياسي جديد بعد خسارة قاعدتها الأساسية في لبنان وانتقالها إلى المنافي العربية البعيدة.
وسط كل ذلك، كانت لغة بلال الحسن بعيدة عن اللغة الرسمية الخشبية. لم يكن يكتب بياناً سياسياً ولا تعميماً تنظيمياً، وإنما كان يحلل ويشرح ويربط الأحداث ببعضها.
ولهذا كنت أجد في افتتاحيته مؤشراً لفهم موقف منظمة التحرير والرئيس ياسر عرفات، وأحياناً أكثر مما يمكن أن أجده في أدبيات وبيانات فصائل العمل الوطني الفلسطيني، بما فيها حركة فتح.
ومع مرور الوقت أدركت أن قيمة بلال الحسن لم تكن في امتلاكه المعلومة وحدها. كان قريباً من دوائر القرار الفلسطيني، ويعرف الشخصيات والتيارات والتوازنات، لكن الأهم أنه كان يعرف كيف يحول المعلومة إلى تحليل، وكيف يقدم للقارئ خلفية تساعده على فهم لماذا اتخذ هذا القرار، وما الذي يدور خلفه، وإلى أين يمكن أن يقود.
وهذه كانت بالنسبة إليّ مدرسة صحفية حقيقية.
«اليوم السابع»… نافذتي إلى الثقافة العربية
لكن المجلة لم تكن سياسية فقط. ففي صفحات «اليوم السابع» تعرفت بصورة أوسع إلى المشهد الثقافي العربي بكل غناه وتنوعه.
كانت جسراً بين مثقفي المشرق والمغرب، ومكاناً يلتقي فيه الفلسطيني واللبناني والسوري والمصري والعراقي والمغربي والتونسي والجزائري وغيرهم، وفي الوقت نفسه نافذة عربية واسعة على الثقافة الأوروبية، والفرنسية منها بصورة خاصة.
ومن موقعي كطالب فلسطيني يعيش في فرنسا، كان لهذا الأمر تأثير خاص. كنت أعيش في أوروبا، لكن «اليوم السابع» كانت تعيد إليّ كل أسبوع خريطة العالم العربي، ليس كخريطة سياسية فقط، بل كفضاء ثقافي وفكري واحد.
ولهذا أعتقد أن تجربة المجلة تستحق اليوم أن تدرس بصورة مستقلة، ليس فقط بوصفها تجربة في تاريخ الصحافة الفلسطينية، وإنما كواحدة من تجارب الصحافة العربية العابرة للحدود التي جعلت من باريس في تلك المرحلة مركزاً للنقاش السياسي والفكري والثقافي العربي.
من قارئ في بوردو إلى لقاء بلال الحسن في باريس
دارت السنوات، وانتقلت من الطالب الذي ينتظر المجلة صباح الاثنين في بوردو إلى باريس، طالباً وناشطاً، ثم صحفياً، ولاحقاً دبلوماسياً في سفارة فلسطين.
وهناك تحول بلال الحسن بالنسبة إليّ مرة أخرى: من الكاتب الذي أعرفه من افتتاحياته إلى الإنسان الذي أجلس معه وأستمع إليه مباشرة.
سنحت لي الفرصة أن ألتقيه مرات عديدة. وكان، على الرغم من تجربته الطويلة ومعرفته الواسعة بما يجري داخل الحركة الوطنية الفلسطينية، بعيداً عن الاستعراض. لم يكن يبخل عليّ بخبرته السياسية، وكان يحدثني بدماثة خلقه المعروفة عن تجربة «اليوم السابع»، وعن الصحافة والسياسة، ويقدم لي شرحاً دقيقاً لما يجري في مصنع القرار الفلسطيني.
وكنت أستمع إليه وفي ذهني دائماً ذلك الطالب في بوردو الذي كان ينتظر افتتاحيته كل أسبوع.
أصبحت أسمع منه مباشرة ما كنت أحاول قبل سنوات استنتاجه من بين سطور مقالاته. وهذه واحدة من المفارقات الجميلة التي تصنعها الحياة: أن يتحول الكاتب الذي ساعدك في شبابك على فهم السياسة من بعيد إلى شخص تجلس معه بعد سنوات وتناقشه في السياسة نفسها.
ومن خلال تلك اللقاءات ازددت اقتناعاً بأن تجربة «اليوم السابع» تستحق أن تدرس في معاهد الصحافة. فقد استطاعت أن تجمع بين الخبر والتحليل السياسي والثقافة والفكر، وبين المعرفة بما يجري داخل مراكز القرار والاستقلال النسبي في التعامل معه، وأن تخاطب القارئ العربي بلغة تحترم ذكاءه ولا تقدم له الموقف السياسي جاهزاً ومغلقاً.
عندما عدت إلى شهاداته عن عائلته
عدت إلى بلال الحسن بصورة مختلفة في مرحلة لاحقة عندما وضعت كتابي «هاني الحسن… صوت الحضور الأنيق والنوء العاصف»، بمساعدة الأخوين العزيزين ثائر المصري، الذي كان مدير مكتب القائد الفلسطيني الراحل هاني الحسن، وبكر أبو بكر، رئيس الأكاديمية الفكرية لحركة فتح، والصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت.
هذه المرة لم أعد إلى بلال الصحفي صاحب الافتتاحية فقط، وإنما إلى بلال الشاهد على التاريخ الفلسطيني وعلى تاريخ عائلته.
كانت شهاداته عن الخروج المأساوي للعائلة خلال نكبة 1948 من منطقة حيفا وصولاً إلى مخيم عين الحلوة في جنوب لبنان من المواد المهمة التي استعنت بها. وكذلك نصوصه وشهاداته حول انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، ووصول الرئيس ياسر عرفات إلى طهران، وتعيين شقيقه هاني الحسن أول سفير لفلسطين في إيران، ثم شهاداته عن الأيام الأولى للغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982.
وهكذا وجدت نفسي أعود، بعد عقود، إلى النصوص التي كتبها الرجل الذي كنت أقرأه شاباً، ولكن هذه المرة باعتبارها وثائق وشهادات تساعد على كتابة التاريخ الفلسطيني.
بلال الحسن… الصحفي والسياسي والناقد
لم يكن مسار بلال الحسن خطاً سياسياً واحداً. فقد انخرط في حركة القوميين العرب، ثم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومنها إلى الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وتولى مسؤوليات قيادية، وكان عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني وممثلاً للجبهة الديمقراطية في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير.
لكنه ابتعد لاحقاً أكثر عن العمل التنظيمي المباشر، وأصبحت الصحافة والفكر والتحليل ساحته الرئيسية.
وظل محتفظاً بمسافة نقدية تجاه التجربة الفلسطينية نفسها. وكان من أبرز منتقدي اتفاق أوسلو، وعبّر في مقالاته وكتبه عن رفضه للمسار الذي رأى أنه لا يضمن الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية، ولا سيما قضية اللاجئين وحق العودة.
وقد ترك عدداً من الكتب والدراسات التي تعكس هذا الجانب النقدي من تجربته، إلى جانب آلاف المقالات التي تشكل في مجموعها سجلاً سياسياً وفكرياً لمرحلة طويلة من التاريخ الفلسطيني والعربي.
من إجزم إلى الرباط
ربما تختصر جغرافية حياة بلال الحسن شيئاً من سيرة جيله الفلسطيني كله.
بدأت الرحلة من إجزم في قضاء حيفا، ثم جاءت النكبة واللجوء، وبعدها دمشق وبيروت وتونس وباريس وعواصم أخرى. وكانت للمغرب مكانة خاصة في حياة عائلة الحسن، وارتبط عدد من أفرادها بعلاقات وثيقة بالمملكة المغربية، وفي مقدمتهم شقيقه خالد الحسن، أحد أبرز القادة التاريخيين لحركة فتح.
وعندما توفي بلال الحسن في باريس يوم 8 أغسطس/آب 2024، نقل جثمانه إلى المغرب، حيث شيع ودفن في مقبرة الشهداء بالرباط، بالقرب من أفراد من عائلته الذين سبقوه إلى هناك.
وكأن مسيرة اللجوء التي بدأت بطفل فلسطيني اقتلع من قريته عام 1948 انتهت، بعد ستة وسبعين عاماً، في أرض عربية أخرى احتضنته واحتضنت أفراداً من عائلته.
وفي الذكرى الثانية لرحيله، عندما أستعيد بلال الحسن، فإنني لا أستعيد فقط السياسي أو الصحفي أو الكاتب. أستعيد أولاً ذلك العدد من «اليوم السابع» الذي كنت أبحث عنه صباح الاثنين في بوردو، وأستعيد افتتاحيته التي كنت أقرأها محاولاً أن أفهم من خلالها ما يحدث في فلسطين ومنظمة التحرير، ثم أستعيد لقاءات باريس عندما أصبحت أسمع منه مباشرة ما كنت أقرأه قبل سنوات.
وبين الصورتين ـ قارئ شاب ينتظر المجلة في بوردو، وصحفي ودبلوماسي يجلس مع صاحبها في باريس ـ تختصر بالنسبة إليّ علاقتي ببلال الحسن.
تحية إلى بلال الحسن، وإلى خالد الحسن وعلي الحسن وهاني الحسن، وإلى ذلك الجيل الذي أسهم، على اختلاف اجتهاداته واتجاهاته، في تأسيس وعي وطني فلسطيني وعربي نفتقد الكثير منه اليوم.






