تكشف المذكرة التوجيهية لرئيس الحكومة الخاصة بإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، قبل عرض المشروع على البرلمان، عن السقف الحقيقي لطموح الحكومة الحالية، فمن خلال الفرضيات التي اعتمدتها، نمو في حدود 4.1 في المئة، عجز في حدود 3 في المئة، وتضخم في حدود 2 في المئة، تبدو الحكومة وكأنها تراهن فقط على الحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية، بينما تغيب أي رؤية قادرة على إحداث تحول اقتصادي واجتماعي حقيقي، لأن هذه الفرضيات، حتى إذا تحققت بالكامل، لن تغير جوهر الإشكالات التي يعيشها المغرب، ولن تحدث الأثر المطلوب على مستوى التشغيل، ولا على مستوى القدرة الشرائية، ولا على مستوى تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
فالاقتصاد المغربي لا يحتاج اليوم إلى نسب نمو عادية، بل إلى قفزة نوعية قادرة على خلق مئات الآلاف من مناصب الشغل، ورفع الإنتاجية، وتحفيز الاستثمار الخاص، وتوسيع الطبقة الوسطى، وهي أهداف يصعب بلوغها بمعدل نمو في حدود 4.1 في المئة، خصوصا وأن التجربة خلال السنوات الأخيرة أظهرت أن تحقيق نسب نمو مماثلة لم ينعكس بشكل ملموس على سوق الشغل، ولا على أوضاع الأسر، ولا على البطالة، ولا على هشاشة ملايين المواطنين، وهو ما يعني أن الحكومة لا تقترح تغييرا في النموذج الاقتصادي، وإنما تكتفي بإدارة الوضع القائم.
والأكثر إثارة للتساؤل أن هذه الفرضيات تأتي في الوقت الذي جعل فيه النموذج التنموي الجديد من التحول إلى بلد صاعد في أفق سنة 2035 هدف استراتيجي، وهو هدف يقتضي معدلات نمو أعلى، وإصلاحات أعمق، وتحول اكبر في بنية الاقتصاد الوطني، أما الاكتفاء بهذه المؤشرات، فإنه يعني عمليا استمرار كل الإشكالات المركزية في مكانها، بطالة مرتفعة، ضعف خلق فرص الشغل، هشاشة اجتماعية، وتآكل للطبقة الوسطى، مع الاكتفاء بإدارة التوازنات المالية بدل صناعة التحول الاقتصادي.
ما تكشفه فرضيات مشروع قانون المالية لسنة 2027 هو أن الحكومة الحالية بمكوناتها الثلاثة لا تحمل الطموح الذي تفرضه تحديات المرحلة، ولا تقدم تصورا اقتصاديا واجتماعيا جديدا ينسجم مع رهانات النموذج التنموي الجديد، بل تكتفي بتدبير التوازنات وإعادة إنتاج نفس المقاربة التي لم تحقق التحول المنشود، لذلك فإن السؤال الذي سيطرح نفسه بقوة خلال الاستحقاقات المقبلة ليس فقط ماذا تعد الحكومة، بل بأي مشروع، وبأي رؤية، وبأي طموح تريد إقناع المغاربة بأنها قادرة على قيادة المغرب نحو مصاف البلدان الصاعدة في أفق سنة 2035، وإذا كانت هذه هي الحدود التي ترسمها مكونات الحكومة لنفسها ولقدراتها خلال سنة 2027، فمن المشروع أن يتساءل المغاربة عن السقف الحقيقي لأي التزامات انتخابية ستقدمها الأحزاب المشكلة للأغلبية خلال الاستحقاقات المقبلة، وعن مدى انسجام تلك الالتزامات مع الفرضيات المالية والاقتصادية التي وضعتها اليوم.






