على بعد كيلومترات قليلة جنوب مدينة الجديدة، على الساحل الأطلسي للمملكة المغربية، تقع جماعة مولاي عبد الله، التي تحتضن أحد أكبر المواسم الدينية والتراثية في المغرب: موسم مولاي عبد الله أمغار. هذا الموسم، الذي ينظم سنويا خلال شهر غشت، يجذب ملايين الزوار من مختلف أنحاء المملكة وخارجها، للاحتفاء بالولي الصالح مولاي عبد الله أمغار، والتبرك بضريحه، والاستمتاع بعروض الفروسية الأصيلة والفعاليات الثقافية المتنوعة.
من هو الولي الصالح مولاي عبد الله أمغار؟
مولاي عبد الله أمغار، المعروف بلقب "أبو البدلاء" ، هو شخصية دينية وتاريخية بارزة في التراث المغربي. يعود نسبه إلى أبو عبد الله محمد بن أبي جعفر إسحاق بن إسماعيل بن سعيد الصنهاجي، وينتهي نسبه إلى عبد الله بن إدريس، مما يجعله منحدرا من أسرة شريفة النسب.
اشتهر الشيخ مولاي عبد الله بغزارة علمه وسعة اطلاعه، وكانت تتوافد عليه الوفود من كل حدب وصوب لاستشارته والتزود بنصائحه. أسس رباط "تيط نفطر" ، الذي معناه بالأمازيغية "العين الباردة"، الواقع ضمن مجال صنهاجة أزمور. وقد أطلق اسمه على الجماعة الترابية التي تضم ضريحه، فأصبحت تعرف بـ جماعة مولاي عبد الله بإقليم الجديدة.
ضريح الولي والزيارة الملكية.
يقع ضريح مولاي عبد الله أمغار وسط المنطقة التي يُقام فيها الموسم سنويا بجماعة مولاي عبد الله. ويحظى هذا الضريح بمكانة خاصة في قلوب المغاربة، حيث يفد إليه الزوار من كل حدب وصوب طوال أيام الموسم للتبرك بالولي الصالح وأداء الطقوس الدينية والروحية.
وفي إطار العناية الملكية بالأولياء الصالحين والزوايا المنتشرة عبر تراب المملكة، عملا بسنة أسلافه الميامين، يحرص أمير المؤمنين الملك محمد السادس على تخصيص هبة مالية سنوية لضريح مولاي عبد الله أمغار، يتم تسليمها بحضور ممثل الحجابة الملكية وعامل إقليم الجديدة والوفد المرافق له. وتأتي هذه الهبة الملكية السخية في سياق تكريم الولي الصالح والتبرك به، على غرار ما تقوم به المملكة تجاه باقي الأولياء والزوايا.
موسم مولاي عبد الله أمغار. تاريخ الموسم وأهميته.
يُقام موسم مولاي عبد الله أمغار منذ القدم من طرف قبائل دكالة، للاحتفاء بالولي الصالح مولاي عبد الله أمغار. ومنذ سنة 2005، دخل تنظيم الموسم ضمن الاستراتيجية العامة للتنمية الثقافية لإقليم الجديدة.
وينظم الموسم على مساحة 120 هكتارا على الساحل الأطلسي، ويقام تحت رعاية الملك محمد السادس .
فعاليات وأنشطة الموسم.
يتميز موسم مولاي عبد الله أمغار ببرنامج غني ومتنوع يجمع بين الروحانية والتراث والاحتفال الشعبي، ومن أبرز فعالياته:
1. عروض التبوريدة (الفروسية التقليدية) : وهي أبرز ما يميز الموسم، حيث تشارك أسراب عديدة من الخيول، أغلبها ذات أصول بربرية، في استعراضات فروسية مهيبة. ويشارك في الموسم أزيد من 2200 فارس و126 سربة من مختلف جهات المغرب، بينها سربات للرجال وسربات نسائية.
2. عروض الصيد بالصقور: وهو فن تراثي عريق يحظى بإقبال كبير.
3. السهرات الفنية: يحييها نجوم الأغنية الشعبية المغربية، من بينهم عبد العزيز الستاتي وعبد الله الداودي وسعيد ولد الحوات.
4. الأنشطة الدينية والروحية: وتشمل أمسيات قرآنية، ومجالس للذكر والمديح، ومحاضرات علمية وندوات فكرية يؤطرها ثلة من العلماء والباحثين.
5. معارض الصناعة التقليدية والمنتجات المحلية: لدعم الاقتصاد المحلي والتعاونيات.
إقبال جماهيري غير مسبوق.
يجذب موسم مولاي عبد الله أمغار أزيد من 4 ملايين ونصف مليون زائر سنويا، وتنصب به أزيد من 25 ألف خيمة. كما يشهد الموسم حركة تجارية تفوق 70 مليار سنتيم، مما يجعله محطة اقتصادية واجتماعية مهمة لمنطقة دكالة وللمملكة بأكملها.
خاتمة.
يبقى موسم مولاي عبد الله أمغار أكثر من مجرد تظاهرة احتفالية؛ إنه ملتقى للشعوب والثقافات في أجواء من الأخوة وحسن الضيافة، وتجسيد حي لتمسك المغاربة بتراثهم الأصيل وتقديرهم لأوليائهم الصالحين. وفي كل سنة، ومع انطلاق فعاليات الموسم في شهر غشت، تتجدد العهود بين الماضي والحاضر، ويظل ضريح الولي الصالح مولاي عبد الله أمغار قبلة للزوار ومحطة للبركات، في مشهد مهيب يعكس عمق الروابط الروحية والثقافية التي تميز المجتمع المغربي.






