تمثيلية الناشرين.. فضيحة التزوير المسبق لهيكلة مجلس الصحافة؟!
إذا تم اعتماد القواعد المقترحة لتوزيع حصص الناشرين والمنظمات الممثلة لهم داخل المجلس الوطني للصحافة، فإن الأمر لن يكون مجرد اختلاف في وجهات النظر حول طريقة احتساب المقاعد، بل قد يتحول إلى إشكال حقيقي يتعلق بعدالة التمثيلية ومصداقية العملية برمتها.
سنكون أمام عملية سرقة وتزوير كبرى ترتكبها اللجنة المؤقتة التي عُهد إليها بتسيير المرحلة الانتقالية.
المشكلة ليست في اعتماد معايير موضوعية لتمييز المقاولات الصحافية بحسب حجمها، ولا في منح المقاولات الأكثر استثماراً وتشغيلاً تمثيلية تتناسب مع وزنها الحقيقي. المشكلة هي توقيت اعتماد هذه المعايير والظروف التي أُنتجت فيها الأرقام والمؤشرات التي يُراد اليوم تحويلها إلى حصص انتخابية.
فالصيغة التي اقترحها القانون الجديد، والتي تجعل عدد المستخدمين ورقم المعاملات وغيرها من المؤشرات الاقتصادية أساساً لمنح حصص إضافية، تفترض أن هذه الأرقام تعكس بشكل نزيه ومستقل القوة الحقيقية لكل مقاولة صحافية.
وهذا الافتراض يحتاج إلى كثير من التدقيق.
كيف يمكن، اليوم، أن نقول إن مقاولة تشغّل عدداً أكبر من الصحافيين أقوى اقتصادياً من مقاولة أخرى، في الوقت الذي كانت فيه الدولة، منذ سنة 2020، تتحمل جزءاً أساسياً من كتلة أجور الصحافيين والعاملين في القطاع؟
كيف يمكن أن نحول عدد المستخدمين إلى معيار للنفوذ والتمثيلية، بينما كانت الدولة نفسها طرفاً أساسياً في ضمان استمرار جزء كبير من مناصب الشغل داخل هذه المقاولات؟
وكيف يمكن اعتبار رقم المعاملات مؤشراً صافياً على القوة الاقتصادية للمقاولة، دون احتساب أثر الدعم العمومي المباشر وغير المباشر على قدرتها على الاستمرار؟
هنا تحديداً تكمن المفارقة.
الدولة ساهمت في إنقاذ واستمرار جزء من القطاع، ثم نريد اليوم أن نستخدم نتائج هذا الدعم نفسه لإعادة توزيع القوة داخل المؤسسة التي يفترض أن تمثل القطاع.
وهذا ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو جوهر المشكلة.
فإذا كانت الدولة قد تحملت، طيلة ست سنوات، كتلة الأجور (كانت في الحقيقة هي المشغّل ورب العمل الحقيقي)، فمن غير المنطقي أن نقول اليوم إن المقاولة التي حافظت على عدد أكبر من المستخدمين هي بالضرورة المقاولة الأقوى والأكثر استحقاقاً لحصة أكبر من التمثيلية.
لذلك، لا يمكن معرفة ذلك قبل أن تتوقف الدولة عن لعب هذا الدور، ويُترك السوق ليكشف الحجم الحقيقي لكل مقاولة وقدرتها الفعلية على الاستمرار.
فلولا دعم الدولة المباشر وتحملها لأجور الصحافيين والعاملين بالصحافة طيلة ست سنوات، لاختفت العديد من المقاولات الصحافية التي تدّعي القوة اليوم، ولتم تسريح الصحافيين. وأنا متأكد أن 60 في المائة من الناشرين الذين يسعون اليوم إلى حصص أكبر كانوا سيختفون من السوق. “سيروم” الدولة كان عاملاً حاسماً في استمرار العديد من الجرائد والمواقع.
ولهذا، فإن أي محاولة لترتيب الناشرين اليوم إلى «كبار» و«متوسطين» و«صغار»، استناداً إلى مؤشرات تأثرت بالدعم العمومي، ثم تحويل هذا التصنيف إلى امتيازات انتخابية، ستكون موضع اعتراض مشروع.
الأمر يشبه أن تمنح الدولة مقاولة ما دعماً يساعدها على الحفاظ على عدد كبير من الموظفين، ثم تأتي بعد ذلك لتقول إن عدد موظفيها هو الدليل على قوتها الاقتصادية، وبالتالي تستحق مقاعد إضافية في مؤسسة مهنية. هذا قلب للمعادلة، وليس مجرد تطبيق لمعيار انتخابي.
والأكثر إثارة للقلق أن بعض المقاولات التي يمكن أن تحصل على تمثيلية أكبر قد لا تعكس بالضرورة قوتها الحقيقية في السوق. فهناك صحف لا تبيع سوى مئات النسخ يومياً، ومع ذلك يمكن أن تجد نفسها مصنفة ضمن المقاولات التي يُفترض أن تستحق وزناً تمثيلياً أكبر.
فأين هو معيار السوق هنا؟ أين هو القارئ؟ أين هي المبيعات؟ أين هي الاستثمارات الذاتية؟ وأين هو حجم الموارد التي تنتجها المقاولة بنفسها، بعيداً عن المال العمومي؟
إذا كان المطلوب فعلاً بناء مجلس وطني للصحافة يتمتع بالشرعية والمصداقية، فإن الطريق لا يمكن أن يمر عبر توزيع الامتيازات الانتخابية وفق أرقام لم تُختبر بعد استقلاليتها عن الدعم العمومي.
الأكثر عدلاً هو أن تكون التمثيلية، في المرحلة الحالية، متساوية بين الناشرين، على أن يتم اعتماد معايير موضوعية وشفافة خلال الولاية المقبلة، بعد أن تتضح الصورة الحقيقية للقطاع.
وعندها يمكن قياس حجم الاستثمار، وعدد العاملين الفعلي، وحجم الإنتاج الصحافي، والمبيعات، والتوزيع، ورقم المعاملات الناتج عن النشاط الصحافي الحقيقي، ومدى قدرة كل مقاولة على الاستمرار اعتماداً على مواردها الذاتية.
دعوا السوق يتكلم أولاً، ثم امنحوا الأرقام حقها في تحديد التمثيلية. أما أن يتم اليوم تحويل آثار ست سنوات من الدعم العمومي إلى «قوة انتخابية» داخل المجلس، فذلك يطرح سؤالاً أكبر بكثير من مجرد طريقة احتساب المقاعد:
هل نحن بصدد بناء تمثيلية عادلة للصحافة المغربية، أم بصدد إعادة توزيع النفوذ داخل القطاع على أساس مقاييس صنعتها، جزئياً، أموال الدولة؟
وإذا كان الجواب هو الثاني، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد خطأ في الحساب. إنه اختلال في فلسفة التمثيلية نفسها. إنه تزوير وتلاعب يشبه تزوير الانتخابات خلال «سنوات الرصاص».
والأخطر أن يتم ذلك بأموال دافعي الضرائب، ثم تُستخدم نتائج هذه الأموال نفسها لمنح بعض الفاعلين وزناً أكبر داخل المؤسسة التي يفترض أن تمثل الجميع.
لذلك، فإن اعتماد هذه الصيغة في الظرفية الحالية سيكون، في أحسن الأحوال، مغامرة غير محسوبة العواقب، وفي أسوأ الأحوال، محاولة لإنتاج «كبار الناشرين» انتخابياً قبل أن يثبت السوق أنهم كبار فعلاً.
والقاعدة البسيطة التي يفترض ألا خلاف حولها هي:
لا تمنحوا الامتياز الانتخابي بناءً على حجمٍ صنعه الدعم العمومي. لا تساهموا في تزوير تمثيلية المجلس بأموال دافعي الضرائب، لا تساهموا في تكوين مجلس مزور..اتركوا المقاولات تواجه السوق أولاً، ثم دعوا السوق يحدد من بقي ومن اختفى، ومن يستحق فعلاً أن تكون له حصة أكبر في تمثيلية الناشرين.






