فن وإعلام

المجموعة القصصية 'ترنيمة إفريقية': الكتابة بوصفها عبورًا نحو الآخر

عبد العزيز كوكاس

تعبر المجموعة القصصية "ترنيمة إفريقية" للكاتبة عائشة حسمي عن انتقال في الجغرافيا مصاحب باهتزاز في الرؤية، وتحوّل في حساسية الذات وهي تقترب من عالم آخر. إننا أمام نص يتجاوز تمثيل المكان إلى إعادة تكوين العلاقة بالمكان، ويتجاوز وصف إفريقيا إلى مساءلة النظرة التي رأت إفريقيا طويلًا من الخارج، أو من علٍ، أو من خلال قوالب جاهزة. لذلك فالقيمة المركزية في هذه المجموعة القصصية تتمثل في الطريقة التي تكتب بها المبدعة موضوعها.. بحذر إنساني، بإنصات داخلي وبنزوع واضح إلى تحويل التجربة إلى معرفة وجدانية وأخلاقية.

منذ الصفحات الأولى يتبدّى أن النص مؤسس على رؤية تعتبر الرحلة فعل انكشاف. السفر تصدّع في البداهات وانكشاف الذات أمام الآخر. تبرز أهمية هذا المعطى في أنه يحرر النص من مركزية الأنا الساردة بوصفها ذاتًا مالكة للمعرفة، ويجعلها ذاتًا تتعلم وهي ترى، وتتغير وتعبر عبر المصاحبة، أي الرؤية مع.. بذلك تكتب عائشة حسمي إفريقيا خارج استهلاك المشهد الغرائبي أو العجائبي، تكتب من موقع التعرض للآخر، والتأثر به، والدخول في امتحانه الرمزي والإنساني.

 

حركية النوع الأدبي

أول ما يلفت الانتباه في "ترنيمة إفريقية" أن الكتاب لا يطمئن إلى شكل واحد. فهو ليس سردًا رحليًا خالصًا، وليس يوميات بالمعنى الصارم، وليس تأملات مستقلة، ولا شهادات ثقافية. إنه نص خصب، يقوم على تقاطع أجناس متعددة: الرحلة، الشذرة، السيرة، الانطباع، المقطع الشعري، التأمل الثقافي، واليوميات ذات النفس التربوي والإنساني والسرد القصصي. وهذه الهجنة هي جوهر الرؤية نفسها؛ لأن إفريقيا كما تتبدى في النص ليست موضوعًا يمكن القبض عليه بنوع أدبي واحد، إنها تجربة متعددة الوجوه، لا يفي بها إلا شكل مفتوح. ولو أني أحترم الجنس الذي وشمت به عائشة حسمي نصها "مجموعة قصصية" كعقد قرائي.

هذا الانفتاح البنيوي يمنح الكتاب مرونة داخلية، ويجعله أقرب إلى نسيج حيّ منه إلى بناء صارم. لا تتعالق المقاطع بمنطق السببية السردية، بل بمنطق التجاور الدلالي والترابط الوجداني، كأن الكاتبة تترك التجربة تنظم نفسها عبر إيقاع داخلي، حيث تتقدم المشاهد واللقطات والخواطر بوصفها محطات في تشكل الدلالة. ومن هنا تأتي فرادة النص: إنه لا يفرض على القارئ خطًا مستقيمًا، بقدر ما يدعوه إلى المشاركة في تجميع الصورة، وفي استشعار النبض الذي يربط بين السوق والرقص، بين السفر ومحو الأمية، بين الجسد والمعرفة، بين المرأة الإفريقية والكرامة اليومية.

 

إفريقيا كأفق إنساني 

من أخطر ما يهدد الكتابة عن إفريقيا السقوط في واحد من فخين: فخ الفولكلور الذي يحولها إلى عرض بصري، أو فخ الشفقة الذي يحولها إلى مادة أخلاقية جاهزة. غير أن المجموعة القصصية "ترنيمة إفريقية" تتفادى هذين المنزلقين بدرجة كبيرة، لأنها لا تنظر إلى إفريقيا بوصفها "آخر" مطلقًا، بل بوصفها امتداد للذات ومرآة تعيد إلى الذات أسئلتها الأصلية.. لهذا تظهر إفريقيا كقرب إنساني مكتشف، كفضاء يؤزم الصور المسبقة ويمنح الوعي فرصة التواضع.

إن السوق، الرقص، الطقوس، وجوه النساء وتفاصيل العمل الشاق... تقدم كلها خارج الزينة الإثنوغرافية، بوصفها تعبيرات عن نسق حضاري آخر، له منطقه الجمالي والأخلاقي والرمزي المختلف والخاص. فالسوق مدرسة للتعارف والحكمة، والرقص لغة أولى للجسد... تكشف الكاتبة عن بنية ثقافية ترى في اليومي عمقًا، وفي التشارك قيمة، وفي الإيقاع طريقة في الإقامة في العالم. حيث ترتفع الكتابة من مستوى الانطباع إلى مستوى الرؤية.

تكتب عائشة حسمي إفريقيا بعين مأهولة بالإنصات. لا تدعي امتلاك عن القارة، بقدر ما تقترب من عمقها وناسها بوصفها فضاء لتعلم الحقيقة الإنسانية في هشاشتها وكثافتها. وهذا ما يمنح النص بعده الأخلاقي الرفيع.

 

جمالية التفاصيل: كيف يصير اليومي شعرًا؟

من أجمل ما في هذا الكتاب أنه يطلب المعنى خارج المشاهد الاستثنائية، تتقصد عائشة حسمي التفاصيل الصغيرة. وهنا تتجلى طاقة الكاتبة في إعادة تأهيل اليومي ليغدو قابلًا للتأمل. فالمرأة التي تبيع السمك، والرقصة، والغروب على الشاطئ، ومراسيم الزواج، ومشاهد محو الأمية... تغدو مفاتيح لفهم العالم. في هذه القدرة على استخراج الإنساني من تفاصيل العيش اليومي تكمن إحدى أهم جماليات "ترنيمة إفريقية".

إن عائشة حسمي تبني نصها على اللمسة الدقيقة: التفصيل الذي يوحي بأكثر مما يقول، والمشهد الذي ينفتح على طبقات عديدة من الدلالة، والعبارة التي تختزن حساسية كاملة. تتوغل الكاتبة في الأشياء الصغيرة حتى تجعلها كاشفة عن رؤية للعالم. إنها كتابة تثق في الإيحاء، وحتى حين يعلو البعد القيمي أو التربوي في بعض المقاطع، فإن النص يحتفظ غالبًا بقدر من الحميمية يجعله بعيدًا عن المباشرة الجافة. والسر في ذلك أن الكاتبة تتحدث عن البشر كوجوه، كأصوات، كحيوات ملموسة.

 

اللغة: بين الشاعرية والصفاء

على مستوى اللغة، تنتمي المجموعة القصصية "ترنيمة إفريقية" إلى الكتابة التي تختار الشاعرية الهادئة، ليست اللغة هنا متورطة في التزويق، ولا في الزخرفة البلاغية الزائدة، لكنها في الآن نفسه ليست لغة تقريرية. إنها لغة تلتقط التجربة في وهجها الداخلي، وتمنح الجملة مرونة تجعلها قادرة على الجمع بين الوصف والتأمل.

وما يميز هذه الشاعرية أنها لا تنفصل عن الموضوع، بقدر ما تنبثق منه. فحين يكون الرقص موضوعًا، تصبح الجملة نفسها أكثر إيقاعًا. وحين يكون محو الأمية موضوعًا، تصير اللغة أكثر صفاء ومسؤولية. كأن الكتابة تعيد تشكيل نفسها بحسب ما تصفه، وهذا دليل نضج أسلوبي مهم. كما أن حضور الاقتباسات في مفاصل متعددة من الكتاب هو محاولة لإدراج التجربة في أفق إنساني أوسع، حيث تتجاور الحكمة الإفريقية مع أصوات عالمية، ويتحول النص إلى حوار بين مختلف الحساسيات الكونية.

 

الجسد والإيقاع: إفريقيا كخبرة حسية للعالم

يحتل الجسد مكانة جوهرية في هذا الكتاب. ليس الجسد بوصفه موضوعًا بيولوجيًا أو فرديًا، بل بوصفه شكلًا من أشكال المعرفة. ففي مقاطع الرقص خاصة، يتبدى أن الكاتبة تنظر إلى الإيقاع الإفريقي باعتباره لغة موازية للكلام أو ربما سابقة عليه. الرقص كنمط من الوجود، طريقة للتعبير عن الفرح، وعن الانكسار أيضًا، وعن القدرة على تجاوز الألم بالحركة.

هذا البعد شديد الأهمية نقديًا، لأنه يجعل الكتاب يقرأ الثقافة الإفريقية من خلال حضورها الجسدي في العالم. والإيقاع في هذا السياق صيغة وجودية: الجسد ينصت إلى الأرض، والأرض تمر عبر النبض، والمعنى يُحس ويُشم قبل أن يقال أو يكتب. بهذا ينجح النص في تحرير الثقافة من التصور الذهني البارد، ويعيدها إلى مادتها الأولى: الجسد، الطقس، الحركة، الملموس.

إذا كان القسم الخاص بالتجربة الثقافية الإفريقية يكشف عن غنى الحياة في تفاصيلها الحضارية، فإن قسم يوميات محو الأمية ينقل الكتاب إلى مستوى آخر: مستوى الالتزام الإنساني. فمحو الأمية في النص فعل يعيد وصل الإنسان بذاته، وبكرامته، وبحقه في امتلاك العالم عبر القراءة. لهذا تظهر اليوميات التعليمية في الكتاب كقلب أخلاقي للنص. تصبح القراءة تحررًا لأنها تمنح الفرد مكانًا جديدًا داخل الوجود. ومن هنا تكتسب هذه الصفحات كثافة خاصة: فهي ترصد التحول الإنساني وهو يحدث بصعوبة، وبطء، وصدق.

وهنا يمكن القول إن المجموعة القصصية لعائشة حسمي تحقق معادلة صعبة: الجمالية لا تنفصل عن المسؤولية. لا يضحي بالأدبي لصالح الرسالي، ولا يذيب الإنساني في الزخرف اللغوي. 

 

المرأة في النص: الإنصات إلى الهشاشة النبيلة

ثمة حضور دال للمرأة في "ترنيمة إفريقية" عبر تركيز شديد الحساسية على أوضاع النساء، وعلى أدوارهن اليومية، وعلى قدرتهن على حمل الحياة رغم مشقة الشروط. لا تظهر المرأة في النص ككائن يعمل، وينتظر، ويبتسم، ويتحمل، ويصنع المعنى في الهامش.. والذي يميز هذا الحضور أن الكاتبة لا تستعمل المرأة لتوليد الشفقة، بقدر ما تكشف عن مقام الكرامة داخل الهشاشة. وهذا ما يجعل النص يلامس بعمق أسئلة العدالة الإنسانية دون أن يسقط في الشعارات. ثمة احترام واضح للأجساد المتعبة، وللوجوه التي تصنع الحياة بصمت. وهذا الاحترام نفسه جزء من جمالية النص وأخلاقه.

تبدو "ترنيمة إفريقية" نصًا ضد اختزال إفريقيا في البؤس، أو في المتعة الغريبة، أو في الصور النمطية الرائجة. وهي أيضًا ضد اختزال الرحلة في الاستهلاك البصري. لذلك يمكن قراءة الكتاب باعتباره دفاعًا ضمنيًا عن الكتابة بوصفها فنًا للإنصات وفنًا للتواضع المعرفي. إن عائشة حسمي تبني عبر نسيج النص رؤية قوامها أن العالم لا يُفهم من مسافة متعالية، وأن الإنسان لا يُعرف عبر التنميط الاختزالي، وأن السفر الحقيقي هو الذي يهز يقيننا ويضعف غرورنا. وهذه رؤية ذات قيمة فكرية عالية، لأنها تجعل الأدب مجالًا لتربية النظر، إضافة إلى كونه مساحة للمتعة السردية.