تلك من أقبح سِمات وسائل التواصل الاجتماعي، واللااجتماعي، التي ابتُلينا بها منذ تطورت هذه التكنولوجيا لتَصير على ما هي عليه في أيام الناس هذه !!
في هذا السياق الملتبس ذاته، طلع على "المتواصلين اجتماعيا" رهطٌ يدعي معرفة أسرار العلاقات المغربية الإسبانية، والمغربية الأوروبية، وطفق يتحدث عن صفقات عقدها المغرب مع الولايات المتحدة الإمريكية لضرب إسبانيا والاتحاد الأوروبي، لا لشيء سوى لأنهما أصبحا يتمرّدان على أختهما الكبرى، بلاد "العم ترامب"، فلم يُجارياها في موقفها من الحرب الروسية الأوكرانية، ولم يدعماها في المعارك الدائرة رحاها بينها وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة ثانية... ومِن ثَم، وكما يدعي هذا الرهط من محللي آخر الزمان، فإن ما وقع على مشارف الحدود المغربية المتوسطية، في سبتة المغربية، كان مخطَّطاً له بالبيت الأبيض الأمريكي، ومطبوخاً على نار هادئة على مدار الشهور المنصرمة من السنة الجارية... بْلا بْلا بْلا بْلا... وأشياء أخرى من هذا القَبيل !!
هذه الادعاءات لا يمكن أن يكون فيها ولو بصيص من الصحة، لأن "العم ترامب" على الخصوص، ليس من طبيعته أن يشتغل في سياسته الخارجية بهذه الطريقة، وبهذا الأسلوب، الذي يمكن أن يكون أيَّ شيء آخَر إلاّ يكون أمريكياً، إذْ مِن طبعه الضرب المباشر، المثير لكثير من اللغَط والصّخَب. كما أنه لم يثبت عليه يوماً أنه استعمل ذاتَ مرةٍ حليفاً استراتيجياً، وموثوقاً كالمملكة المغربية، ليقضي به أوطاراً تخص بلده أو شخصه، ويكون ذلك مبعث متاعب لا تنتهي لهذا الحليف، بل قد جرت العادة، عند الرئيس دونالد ترامب، بأنْ يوجه "لعناته" مباشرةً إلى خصومه، ثم يجلس للتفرّج على ردّات فعلهم وكأن ذلك يشكل بالنسبة إليه مادة للتسلية والترويح !!
إن ما وقع، غداة ذكرى عيد العرش، ليس تدبيرا مغربياً أمريكياً البتة، بل هو حدث كان متوقعاً حدوثه، ولكن تركه يقع كما هو كان له ما يبرره، من لدن سلطات أمنية لها حساباتُها، لكي تُقضَى بذلك حاجةٌ في نفس يعقوب، ولكي يَخدُم ذلك أغراضاُ سياسيةً بدأت الآن تتضح أبعادُها.
من بين تلك الأبعاد، بل في طليعتها، أن تتيقّن إسبانيا والاتحاد الأوروبي بأن المغرب لم يعد يقبل بأداء دور الدركي الخادم لمصالحما، والساهر على راحتهما وأمنهما واستقرارهما بعيدا عن ضجيج الهجرة غير النظامية ومتاعبها... وأنّ المغرب، بدلاً من ذلك، قد صار يفرض نفسه كشريك كامل الصفة، في إطار من "الندية والمصلحة المتبادلة"، وإلا فأنه سيترك الحبل على الغارب، وسيجعل "حدوده الوهمية" مع مدينتيْه السليبتيْن، سبتة ومليلية، مُشْرعةً في وجه النازحين الأفارقة بشكل خاص... أما أبناؤه فهو كفيل بإيجاد الحلول الاقتصادية والاجتماعية لمعاناتهم، والتي يمكن أن تكون مادةً ل"ميثاق اجتماعي جديد وغير مسبوق"، بحيث تُعالَجُ المشاكل في إطاره بالمبادرات الجدية، وليس بردّات الفعل، التي يتمناها خصومنا من كل الأشكال والأجناس، وفي مقدمتهم أولئك الرابضون وراء حدودنا الشرقية، والذين يتصيّدون كل الفُرَص للنيل منا بأي طريقةٍ وبكل الطرق الممكنة والمتاحة !!
إن ما جاء به ذلك الرهط من المخبرين والمحللين ليس له أدنى نصيب من الصحة، وما على مَن يدفعون لهم لقاء أكاذيبهم وافتراءاتهم إلاّ أن يبحثوا لهم عن شغل آخر، ومَشْغَلة أخرى، لأن أكاذيبهم سافرةٌ ومفضوحةْ ولا تنطلي على أحد من داخل الوطن أو خارجه... عجبي !!!






