حذر المجلس الوطني لحقوق الإنسان من تداعيات الاستغلال السياسي لأحداث العبور الجماعي والواسع النطاق التي شهدتها مدينتا الفنيدق وسبتة وبني أنصار ومليلية، وذلك ضمن خلاصاته واستنتاجاته الأولية المستندة إلى رصده الميداني والرقمي للأحداث وما رافقها من تداعيات خطيرة على حقوق الإنسان، لا سيما الحق في الحياة، وحقوق الطفل، والسلامة الجسدية، والكرامة الإنسانية.
وقد كشفت تقارير الرصد الميداني، يورد المجلس في بلاغ له توصلت "كفى بريس" بنسخة منه، عن تضارب في المعطيات المسجلة بشأن الخسائر البشرية؛ إذ وثقت المصادر المغربية ارتفاع عدد الوفيات إلى 14 شخصاً، بينما أعلنت السلطات الرسمية الإسبانية عن تسجيل 80 حالة وفاة، إلى جانب وجود جثامين بمستودع الأموات في انتظار استكمال إجراءات التعرف عليها وتسليمها لذويها في شروط تضمن الكرامة الإنسانية. وفي السياق ذاته، سجلت المصالح الطبية والأمنية 136 إصابة طفيفة في صفوف المدنيين وإحالة 13 مصاباً إلى المؤسسات الاستشفائية، فضلاً عن تقديم العلاجات لـ 87 عنصراً من القوات العمومية، مقابل تسجيل أضرار مادية شملت إحراق وتخريب 61 سيارة خاصة، و15 دراجة نارية، و18 سيارة تابعة للقوات العمومية، إلى جانب توقيف نحو 100 شخص بسبتة وإحالة 23 متابعاً على استئنافية الناظور على خلفية أحداث بني أنصار.
وأوضح المجلس أن هذه الأحداث عرفت وتيرة متصاعدة بدأت ملامحها منذ شهر يونيو الماضي، وتميزت بتعبئة غير مسبوقة على خلفية انتشار تأويلات غير دقيقة لقرار صادر عن المحكمة العليا الإسبانية بتاريخ 8 يوليوز 2026 يتعلق بعدم الإرجاع الفوري للمهاجرين المعترضين في البحر. وقد لعبت الفضاءات الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك، إكس، إنستغرام، وتيك توك) دوراً حاسماً في التعبئة والتحشيد، حيث رصدت لجنة اليقظة والتنسيق التي أحدثتها رئيسة المجلس يوم 29 يوليوز 2026 تفاعلاً مكثفاً داخل عشرات المجموعات الرقمية التي تضم ملايين الاعضاء، تخللتها إعلانات لوسطاء وشبكات محتملة للاتجار بالبشر تعرض خدمات تنظيم رحلات العبور، فضلاً عن رصد حسابات وأرقام هاتفية أجنبية تشجع على الهجرة غير النظامية وتسهل التنسيق الميداني.
وعلى مستوى التدبير الميداني وظروف العبور، وثق المجلس اتخاذ السلطات المغربية لإجراءات أمنية مشددة وتقييد لحركة التنقل في عدد من محطات الطرق القطارات بمختلف المدن في اتجاه الشمال، مواكبةً لتوافد آلاف الشباب والقاصرين والعائلات الذين استجابوا لرسائل رقمية تدعو للتوجه نحو بوابات العبور. وفي المقابل، سجل المجلس ممارسات مقلقة بمدينة سبتة تمثلت في قرار السلطات المحلية إغلاق المتاجر والمقاهي والمطاعم، مما حرم آلاف العابرين -من ضمنهم أطفال ونساء- من الحصول على الماء والتغذية، فضلاً عن تعرض الوافدين لهجمات واعتداءات ذات طابع عنصري من طرف مجموعات متطرفة ومحتجين، إلى جانب تسجيل حالات عنف متبادل ومواجهات بين الشباب والقوات العمومية، ووقائع عنف واعتداء على يد قوات عمومية أسبانية بعيداً عن أعين الكاميرات.
وفي خلاصاته العامة، حذر المجلس الوطني لحقوق الإنسان من تداعيات الاستغلال السياسي لأحداث العبور، مديناً تنامي الخطاب المعادي للهجرة والمحرض على الكراهية والعنصرية إزاء الأجانب. كما شدد على أن هذه الظاهرة لا يمكن اختزالها تقليدياً في الفقر أو الهشة فحسب، بل تعكس تحولات عميقة في تطلعات الفئات الشبابية ضمن سياق مجتمعات رقمية تتحدى منطق الحدود، داعياً في نفس الوقت إلى إحداث بنية مشتركة ومسؤولة للتدقيق في أعداد الوفيات، ومعالجة كافة الإشكالات الحقوقية المرتبطة باستخدام القوة، وضمان احترام المعايير القانونية الدولية في عمليات الإرجاع والحماية.






