والصدمات _ سواءٌ كانت شخصية أمْ جماعية _ لم تعد مجرد أحداث عابرة في البناء السردي، وإنما أصبحت جوهرًا معرفيًّا يعيد تشكيل الإنسان والعالَم. ومن هذا المنطلق تبرز تجربة الروائية السورية الأردنية شهلا العجيلي ( وُلدت 1976 ) والروائية التركية إليف شافاق ( وُلدت 1971 )، بوصفهما من أبرز الأصوات النسائية في الأدب المعاصر التي جعلت من الرواية فضاءً لتأويل الصدمة، وليس تسجيلها فقط.
وعلى الرغم من اختلاف البيئتَيْن الثقافيتين والتاريخيتين، فإنَّ الكاتبتين تلتقيان عند سؤال الإنسان المُمزَّق بين الذاكرة والمنفى، وبين الهُوية والاقتلاع، وبين الحُب والحرب، فتغدو الكتابة لديهما محاولة لإنقاذ المعنى من ركام الخراب، وإعادة بناء الذات عبر فعل الحكي.
لا تنظر شهلا العجيلي إلى الصدمة بوصفها حدثًا مكتملًا، بل تراها بنية متحركة تستمر آثارها في الزمن، وتعيد إنتاج نفسها في الذاكرة والسلوك والعلاقات الإنسانية، لذلك فإن شخصياتها لا تعيش الحروب وحدها، وإنما تحملها في تفاصيلها اليومية، وصمتها، وأسئلتها الوجودية، ومحاولاتها المستمرة للعثور على وطن داخلي بعدما فقدت الوطن الخارجي.
أمَّا إليف شافاق فتذهب إلى منحى آخر، إذ تجعل الصدمة امتدادًا للتاريخ الجمعي، فتربط بين الماضي والحاضر، والفرد والجماعة، والأسطورة والواقع. والإنسانُ عندها ليس ضحية حدث منفرد، بل هو وريث لذاكرة ثقيلة تنتقل عبر الأجيال، حتى تصبح الصدمة جزءًا من الهُوية الثقافية نفسها.
وهكذا تتحول الرواية عند الكاتبتين إلى مساحة تأويلية لا تبحث عن تفسير الكارثة بِقَدْرِ ما تبحث عن آثارها المستمرة داخل النفس البشرية.
تؤمن شهلا العجيلي بأن الذاكرة ليست أرشيفًا للماضي، وإنما وسيلة لمقاومة المحو، لذلك تتكرر في أعمالها المدن التي تهدمت، والبيوت التي هُجرت، والعائلات التي تشردت، وكأن الرواية تقوم مقام الوثيقة الأخلاقية التي تحفظ ما تعجز السياسة عن حفظه. لكن الذاكرة عندها ليست جامدة، إنها ذاكرة جريحة تتداخل فيها الحقيقة بالخيال، والحنين بالخسارة، حتى يصبح السرد فعلًا من أفعال العلاج النفسي والجمالي.
في المقابل، تمنح إليف شافاق الذاكرة بعدًا أكثر تعقيدًا، فهي تستدعي التاريخ العثماني، والأساطير الصوفية، والصراعات العرقية والدينية، لتؤكد أن المجتمعات لا يمكنها تجاوز صدماتها ما لم تواجه تاريخها بشجاعة، فالنسيانُ عندها ليس علاجًا، بل هو شكل من أشكال استمرار الألم.
يكاد المنفى أن يكون الشخصية الأكثر حضورًا في عالم شهلا العجيلي، فهو ليس انتقالًا جغرافيًّا فحسب، وإنما هو انكسار في الإحساس بالزمن والانتماء، فالمهاجر في نصوصها يحمل وطنه داخله، لكنه يعجز عن استعادته، فيعيش حالة من التمزق المستمر بين مكانَيْن وذاكرتَيْن ولغتَيْن.
أمَّا لدى إليف شافاق، فإن المنفى يتخذ أبعادًا ثقافية وفكرية، إذْ يصبح الإنسان منفيًّا حتى داخل وطنه عندما يُقْصَى بسبب معتقده أو هُويته أو أفكاره، ولهذا تتكرر في أعمالها الشخصيات الهامشية التي تبحث عن الاعتراف والكرامة أكثر مما تبحث عن المكان.
تمنح شهلا العجيلي المرأةَ مساحة واسعة لتكون شاهدة على التاريخ،وصانعة له في آن واحد. فالمرأة ليست ضحية الحرب وحدها، بل هي حافظة الذاكرة، وراوية الحكاية، وحاملة الأمل وسط الخراب، لذلك تأتي شخصياتها النسائية قوية رغم هشاشتها، وقادرة على تحويل الانكسار إلى فعل مقاومة.
أمَّا إليف شافاق فتجعل المرأةَ مركزًا لتفكيك البنى الاجتماعية الذكورية، فتقدم نماذج نسائية تواجه السلطة والعادات والتاريخ معًا، وهي لا تكتفي بعرض معاناة المرأة، وإنما تمنحها حق إعادة كتابة الحكاية من منظورها الخاص. ومِن هُنا يتحول الألم النسائي في روايات الكاتبتَيْن إلى طاقة إبداعية تعيد إنتاج الحياة، ولا يتحول إلى خطاب بكائي يستسلم للهزيمة.
تمتاز لغة شهلا العجيلي بِقَدْرِ كبير من الكثافة الشعرية، فهي تكتب المشهدَ الروائي وكأنه لوحة مشبعة بالإيقاع والصور البلاغية، دون أن تفقد قدرتها على السرد، لهذا تبدو اللغة عندها امتدادًا للحالة النفسية للشخصيات، فتنبض بالحزن حينًا، وبالحنين حينًا آخر، وبالأمل الخافت في أكثر اللحظات ظلمة.
أمَّا لغة إليف شافاق فتتسم بثراء فلسفي وثقافي واضح، إذْ تمزج بين السرد والتأمل، وبين الواقعي والأسطوري، وبين الحكمة الصوفية والأسئلة الوجودية، مما يمنح نصوصها أفقًا عالميًّا يتجاوز خصوصية التجربة التركية.
تكشف روايات شهلا العجيلي أن الصدمة لا تنتهي بانتهاء الحرب، وإنما تستمر في تشكيل العلاقات الإنسانية والوعي الجمعي، لذلك يصبح التأويل ضرورة أخلاقية لفهم الإنسان، وليس إدانته.
أمَّا إليف شافاق فترى أن فهم الآخر يبدأ من الاعتراف بألمه، وأن الرواية قادرة على بناء الجسور بين الثقافات أكثر مما تفعله الخطابات السياسية، لهذا فإن تأويل الصدمة عندها يتجاوز البعد النفسي إلى مشروع إنساني يدعو إلى التسامح والتعددية والانفتاح.






