مجتمع وحوداث

حسن الكتاني وخطبة الجمعة.. هل أصبحت الوطنية تهمة في نظر الخوارج الجدد ؟

الصادق العثماني (باحث في الفكر الإسلامي وقضايا التطرف الديني)
ليست المشكلة في أن يناقش الدعاة والمشايخ مضمون خطبة جمعة، أو أن يختلفوا في اجتهاد فقهي أو في تقدير مصلحة شرعية؛ فالاختلاف المنضبط سنة علمية معروفة في تاريخ الأمة. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول المنبر الموازي في منصات التواصل الاجتماعي إلى أداة للتحريض على مؤسسات الأمة، وإلى وسيلة لإضعاف الثقة في المرجعية الدينية الرسمية، وإلى صناعة وعي مزيف يقوم على الشك والخصومة بدل السكينة والاجتماع، وهنا لا يعود الأمر مجرد رأي فقهي، بل يصبح سؤالا يتعلق بحفظ الدين وحفظ الجماعة وحفظ الدولة ومؤسساتها، وهي كلها من أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية.

لقد جاءت خطبة الجمعة بالمملكة المغربية ليوم 7 غشت 2026 بعنوان: «الوطن والمواطنة بين الحقوق والواجبات»، وهي خطبة تنطلق من أصل قرآني ونبوي راسخ، يؤكد أن الانتماء للوطن ليس شعورا عاطفيا مجردا، وإنما مسؤولية شرعية وأخلاقية، تقوم على أداء الواجب قبل المطالبة بالحق، وعلى المشاركة في حفظ الأمن والاستقرار وصيانة مؤسسات المجتمع. وهي معانٍ لا يمكن أن يعترض عليها إلا من يجعل الدين في مواجهة الدولة، أو يجعل الوطنية مرادفا للعلمنة، وهو خلط خطير لا سند له من الشرع ولا من العقل .

إن أخطر ما يميز الفكر الخارجي عبر التاريخ أنه لا يبدأ برفع السلاح، وإنما يبدأ بإسقاط الشرعية المعنوية للمؤسسات، والطعن في العلماء، وتشويه المرجعيات الجامعة، ثم ادعاء احتكار الفهم الصحيح للدين. وهذه هي البذرة الفكرية التي أنبتت الخوارج الأوائل، وهي نفسها التي تتجدد اليوم بأدوات جديدة، عبر "التيك توك" و"الفيسبوك" و"اليوتيوب"، حيث صار بعض الأشخاص ينصبون أنفسهم أوصياء على الإسلام، ويمنحون أنفسهم حق الحكم على العلماء والدولة والمجتمع، وكأن الأمة الإسلامية الممتدة عبر أربعة عشر قرنا لم تفهم الدين إلا حين ظهروا هم .

إن من يقرأ تدوينة حسن الكتاني على حسابه الشخصي يجد أنها لا تناقش مضمون الخطبة بقدر ما تسعى إلى نزع الشرعية عن مشروع التأطير الديني كله، من خلال السخرية من الخطبة الموحدة، واتهامها بأنها مجرد أداة لإضفاء الشرعية على "القوانين الوضعية"، ثم الانتقال إلى الحديث عن "زحف العلمنة" وضرورة أن يخرج "حماة الشرع" لمواجهتها. وهذا الأسلوب ليس جديدا في أدبيات التيارات المتطرفة؛ فهو يقوم على خلق عدو وهمي، ثم تعبئة الجمهور ضده، ثم تصوير الذات باعتبارها الممثل الوحيد للإسلام الصحيح.

والحقيقة أن هذا الخطاب يقوم على مغالطة فلسفية وفقهية في آن واحد؛ لأنه يفترض وجود تعارض حتمي بين الشريعة والدولة الوطنية، وبين الانتماء للوطن والانتماء للإسلام، بينما المقاصد الشرعية تؤكد العكس تمامًا. فالشريعة جاءت لحفظ الضرورات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، ولا يتحقق شيء من ذلك إلا في ظل دولة مستقرة، ومؤسسات قائمة، وأمن شامل، ولذلك فإن حماية الوطن ليست قضية سياسية فحسب، بل هي مقصد شرعي، لأن سقوط الأوطان يؤدي إلى ضياع الدين قبل ضياع الدنيا.

لقد كان الإمام مالك رحمه الله، - الذي يتحدث باسمه حسن الكتاني في تدوينته - من أكثر العلماء تعظيما لمبدأ الجماعة والاستقرار، وكان يرى أن درء الفتنة مقدم على كثير من المصالح الجزئية، ولم يكن مذهبه يوما مشروعا للثورات الدائمة أو للخصومة مع مؤسسات الأمة. بل إن المدرسة المالكية المغربية عبر تاريخها الطويل ارتبطت بحفظ وحدة المجتمع، وربطت الفتوى بالمصلحة، والاجتهاد بالواقع، والمقاصد بأحوال الناس ومصالحهم. ولذلك فإن الاحتجاج بالإمام مالك ضد المؤسسة الدينية المغربية هو قلب للتاريخ قبل أن يكون قلبا للفقه.

ومن المثير للتأمل أن الذين يهاجمون الخطبة الموحدة في المملكة المغربية يتحدثون وكأنهم وحدهم يمثلون جماعة المسلمين، بينما المغرب يمتلك واحدة من أكبر الشبكات المسجدية في العالم الإسلامي، إذ تضم المملكة أكثر من 51 ألف مسجد، منها نحو 24 ألف مسجد جامع، ويقام فيها بانتظام ما يقارب 20 ألف خطبة جمعة بإشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. وهذه المنظومة الضخمة ليست مجرد إدارة بيروقراطية، وإنما مشروع حضاري لحماية الأمن الروحي للمغاربة، وتأطير الخطاب الديني، وصيانة المساجد من الفوضى الفكرية والحزبية والإيديولوجية.

إن منطق الدولة في توحيد موضوعات الخطبة لا يعني مصادرة الاجتهاد، وإنما يعني توجيه الخطاب العام نحو القضايا التي تحتاجها الأمة في زمانها ومكانها، فالخطبة ليست درسًا فقهيا متخصصًا، وإنما خطاب تربوي عام، يخاطب ملايين المواطنين بمختلف مستوياتهم العلمية والاجتماعية، ومن الطبيعي أن تعالج قضايا المواطنة، والأسرة، والأمن، والعمل، والتكافل، والأخلاق، وحماية البيئة.. لأنها كلها تدخل في دائرة المصالح التي جاءت الشريعة لتحقيقها.

أما تصوير الحديث عن الوطن باعتباره "علمنة"، فهو من أخطر أشكال التلبيس الفكري. فالوطن في الإسلام ليس صنما يُعبد كما يزعم الخوارج الجدد، ولا بديلا عن العقيدة، ولكنه الوعاء الذي تُقام فيه الشعائر، وتُحفظ فيه الأنفس، وتصان فيه الأعراض، وتقام فيه العدالة، ولذلك أحب النبي صلى الله عليه وسلم مكة، وبكى عند مفارقتها، وقال عنها إنها أحب بلاد الله إليه، ثم أسس في المدينة مجتمعا يقوم على المواطنة والحقوق والواجبات، وكتب صحيفة المدينة التي نظمت العلاقة بين مختلف مكونات المجتمع. فهل كانت تلك المبادئ علمانية؟ أم كانت تجسيدا عمليا لمقاصد الإسلام في بناء الدولة؟ .

إن الوطنية ليست خصما للدين، كما أن الدين ليس خصما للوطنية. وإنما تبدأ الأزمة حين يُستغل أحدهما لإقصاء الآخر، أو يُوظَّف كلاهما لخدمة مشاريع أيديولوجية ضيقة. فالدين الحق يرسخ الوفاء للأوطان، وصيانة الأمن، واحترام النظام العام، وحفظ الحقوق، والوطنية الرشيدة تتيح للدين أن يؤدي رسالته في بناء الإنسان وإصلاح المجتمع. أما الذين يصنعون صراعا مصطنعا بين الدين والوطن، فإنهم في الحقيقة لا يخدمون الدين ولا يخدمون الوطن، وإنما يخدمون مشروع الانقسام .

ومن الناحية المقاصدية، فإن خطاب التحريض على المؤسسة الدينية الرسمية يناقض قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة، وهي أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. فهل المصلحة في إشاعة الشك في آلاف الخطباء والأئمة؟ وهل المصلحة في تصوير 20 ألف منبر جمعة وكأنها أدوات لنشر "العلمنة"؟ وهل المصلحة في دفع الشباب إلى الاعتقاد بأن الإسلام الحقيقي يوجد فقط في صفحات بعض المؤثرين على وسائل التواصل؟ إن هذه ليست دعوة إلى الإصلاح، وإنما صناعة ممنهجة لفقدان الثقة، وهي أخطر من الخطأ نفسه إن وجد .

للأسف، لقد تغيرت أدوات الخوارج، لكن منهجهم لم يتغير. كانوا بالأمس يرفعون شعار "لا حكم إلا لله"، واليوم يرفع بعضهم شعارات مشابهة في ثوب جديد، فيجعل كل اجتهاد إداري أو تنظيمي مخالفة للدين، وكل مؤسسة رسمية خصما للشريعة، وكل دعوة إلى الاستقرار تنازلًا عن الإسلام. وهكذا تتحول النصوص الشرعية إلى شعارات سياسية، ويتحول الدين إلى وسيلة لإنتاج الخصومة المستمرة مع الدولة والمجتمع .

إن المغرب لم يبن نموذجه الديني على الانفعال، وإنما بناه على تراكم علمي امتد أكثر من اثني عشر قرنا، يجمع بين العقيدة الأشعرية، والفقه المالكي، والتصوف السني، وإمارة المؤمنين، وهي منظومة أثبتت قدرتها على حماية البلاد من موجات التطرف التي عصفت بكثير من الدول. ولذلك فإن استهداف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ليس استهدافا لإدارة حكومية فقط، بل هو استهداف لمرجعية دينية حافظت على وحدة المغاربة، ومنعت المساجد من التحول إلى ساحات للصراع الحزبي والإيديولوجي.

إن النقد العلمي الرصين مرحب به دائما، لكن التحريض شيء آخر. ومن حق أي باحث أن يناقش مضمون خطبة، أو يقترح تطويرا أو يقدم اجتهادا علميا، أما أن تُستعمل المنصات الرقمية لإثارة الشباب ضد المؤسسة الدينية، وتصويرها وكأنها تحارب الإسلام، فهذا ليس اجتهادا، بل خطاب فتنة يهدد السلم الفكري والأمن الروحي للأمة المغربية .

لقد علمنا القرآن أن الفتنة أشد من القتل، لأنها تهدم المعنى قبل أن تهدم البناء، وتفرق الجماعة قبل أن تسفك الدماء. ولذلك فإن مسؤولية العلماء والمشايخ والدعاة والمثقفين اليوم ليست الانجرار وراء ضجيج وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما حماية وعي الناس وخصوصا الشباب 

من الشعبوية الدينية، وإعادة الاعتبار للعلم المؤسسي، والاجتهاد الجماعي، والفقه المقاصدي الذي يوازن بين النصوص والواقع، وبين الثوابت والمتغيرات.

إن الذين يختزلون الإسلام في معركة ضد خطبة جمعة تتحدث عن الوطن والمواطنة، إنما يكشفون ضيق أفقهم في فهم الدين، لأن الإسلام أوسع من أن يُختزل في الصراع، وأرحب من أن يُسجن داخل خطاب الاحتجاج الدائم. فالدين الذي جاء رحمة للعالمين لا يمكن أن يتحول إلى مشروع لإنتاج الكراهية بين أبناء الوطن الواحد.

ولهذا فإن الدفاع عن الخطبة التي تدعو إلى حب الوطن، والقيام بالواجبات، واحترام الحقوق، ليس دفاعًا عن نص إداري، وإنما دفاع عن مقصد شرعي أصيل، وهو حفظ الجماعة وصيانة الدولة وحماية الأمن الروحي للأمة. وإذا كان بعض دعاة الفتنة قد اختاروا أن يجعلوا من منصات التواصل منابر للخروج عن الأمة، فإن واجب العلماء والمفكرين هو أن يجعلوا من المقاصد الشرعية، والعقل الرشيد، والتاريخ العلمي للمغرب، حصنا يحمي الأمة من فوضى التأويل، ومن نزعات الخوارج الجدد الذين يستبدلون وحدة الأمة بضجيج المنصات، ويقدمون الانقسام على الاجتماع، والخصومة على الإصلاح، والشعار على المقصد، والفتنة على الحكمة .