سياسة واقتصاد

عندما ينسى المنتصر أنه كان جائعاً؟

عبد العزيز الخطابي

(الجزء الثاني)


للتاريخ عادة سيئة في نظر السياسيين؟ فهو لا يعرف المجاملة.

إنه يشبه عجوزاً يجلس في آخر المقهى. لا يصفق لأحد. ولا يخاف أحداً. وكلما حاولت الحكومات طلاء الماضي بألوان جديدة. نهض هذا العجوز ليقول: "كنتُ هناك... ورأيت كل شيء."

ولعل أكثر ما يزعج الذاكرة الأوروبية اليوم ليس أن المغاربة يهاجرون نحو الشمال. بل أن التاريخ يحتفظ بصورة معاكسة تماماً؟ صورة الإسباني الذي كان يقف في شمال المغرب يبحث عن عمل. ويطرق الأبواب. ويبيع ما استطاع حمله. أو ينتظر من يكلّفه بحمل حقيبة أو كيس دقيق مقابل بضعة قروش.

الغريب أن الأمم لا تنسى انتصاراتها. لكنها تنسى طوابير الخبز.

تتذكر القلاع. وتنسى الأكواخ.

تتذكر الجنرالات. وتنسى العمال.

وتتذكر الملوك. لكنها تخجل من الاعتراف بأن الجد الأكبر ربما كان مهاجراً بسيطاً يحمل حقيبة خشبية. ويبحث عن مأوى قبل أن يبحث عن وطن.

هذه ليست إدانة لإسبانيا. فإسبانيا نفسها دفعت ثمناً باهظاً للحرب الأهلية. وللاستبداد. ولسنوات الجوع التي دفعت مئات الآلاف من أبنائها إلى الهجرة داخل أوروبا وخارجها. إنها حقيقة تاريخية تذكّرنا بأن الأزمات الاقتصادية والسياسية قادرة على قلب مسار الشعوب. وأن الرخاء ليس صفة وراثية لأي أمة.

لكن المفارقة تبدأ عندما يتحول النسيان إلى سياسة.

فبعض الخطابات المعاصرة تتعامل مع الهجرة كما لو أنها اختراع إفريقي أو عربي. مع أن القرن العشرين وحده شهد موجات هائلة من الهجرة الأوروبية نحو الأميركتين وإفريقيا وشمال المغرب. وكأن البحر الأبيض المتوسط قد فقد نصف ذاكرته. ولم يعد يتذكر إلا القوارب التي تنطلق من الجنوب. بينما محا من سجله السفن التي كانت تأتي من الشمال.

يا لها من ذاكرة انتقائية!

إنها تشبه معلماً يمحو نصف السبورة. ثم يعاقب التلميذ لأنه لم يحفظ الدرس كاملاً.

ولعل السياسة الحديثة لا تعاني نقصاً في المعلومات. بل فائضاً في الانتقاء. فهي تختار من التاريخ ما يناسب خطابها. وتترك الباقي في الأرشيف. لأن بعض الصفحات تزعج الصورة التي يريد البعض رسمها عن نفسه.

ومن غرائب الزمن أن الإنسان الذي كان يحمل الأمتعة بالأمس. أصبح حفيده اليوم يضع القوانين التي تمنع الآخرين من حمل حقائبهم عبر الحدود.

ليس في ذلك ما يدعو إلى الشماتة. فالتاريخ لا يُقرأ بروح الانتقام. وإنما بروح الفهم. غير أن المشكلة تبدأ عندما يتصرف بعض الساسة وكأن الازدهار الحالي قدرٌ أبدي. لا نتيجة مسار طويل من التحولات الاقتصادية والسياسية والتعاون الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية.

والحقيقة أن البحر المتوسط لم يكن يوماً جداراً بين الأغنياء والفقراء. بل كان ممراً تتبدل عليه الأدوار باستمرار. فمن كان يستقبل المهاجرين في زمن. قد يصبح مصدّراً لهم في زمن آخر. ومن كان يمد يده طالباً للنجدة. قد يجد نفسه بعد عقود يضع الشروط على من يطلب النجدة.

ذلك هو الدرس الذي يكرره التاريخ بإصرار، بينما يصر بعض السياسيين على عدم الإصغاء.

إن السخرية الكبرى ليست في أن الإسباني الفقير عمل يوماً في المغرب. ولا في أن المغربي يحاول اليوم الوصول إلى أوروبا. بل في الاعتقاد بأن عجلة التاريخ توقفت. وأن توزيع الثروة والقوة سيبقى ثابتاً إلى الأبد.

كم من إمبراطورية أعلنت أنها خالدة. ثم أصبحت موضوعاً في كتب التاريخ.

وكم من دولة كانت تُقرض العالم. ثم اقترضت منه.

وكم من مدينة كانت تستقبل اللاجئين. ثم أصبحت ترسل أبناءها إلى المنافي.

إن التاريخ لا يعرف الامتيازات الدائمة. بل يعرف الدورات. وما يفعله الزمن في قرن. قد لا تستطيع السياسة إصلاحه في عشرات الخطب.

ولهذا. فإن الحديث عن الماضي ليس ترفاً ثقافياً. بل ضرورة أخلاقية. فالأمم التي تتذكر أنها كانت فقيرة. تُعامل الفقراء بإنسانية أكبر. والأمم التي تعترف بأنها كانت مهاجرة. تصبح أكثر تواضعاً في نقاش الهجرة. أما حين يُمحى الماضي من الذاكرة. فإن الخوف يحل محل الحكمة. والشعارات تحل محل الوقائع.

وليس المقصود من استحضار هذه الصفحات التاريخية قلب معادلة الضحية والجلاد. أو الادعاء بأن شعباً أفضل من آخر. فالفقر لا يرفع من شأن أحد. ولا ينتقص من كرامة أحد. المقصود فقط هو أن نكسر الوهم القائل إن الحضارات تُولد غنية. أو أن الأمم تحتكر النجاح إلى الأبد.

لقد علّمنا التاريخ أن الرخاء قد يزور أمة ثم يغادرها. وأن الفقر قد يعبر الحدود كما تعبرها الرياح. وأن الإنسان. مهما اختلفت لغته أو دينه أو علمه. يبقى هشاً أمام الجوع والحرب والبطالة.

ولذلك. فإن أعظم ما يمكن أن تتعلمه الدول من تاريخها ليس كيف تتفاخر بانتصاراتها. بل كيف تتواضع أمام لحظات ضعفها. لأن من يتذكر جوع الأمس. يكون أقدر على فهم جائع اليوم.

أما من يمحو تلك الذاكرة. فقد يربح معركة الخطاب. لكنه يخسر احترام التاريخ... والتاريخ. على عكس السياسيين. لا يغيّر شهادته مع تغيّر الحكومات.