حين يتحول الإعلام من مهنة البحث عن الحقيقة إلى صناعة الغضب، ومن نقد السلطة إلى شيطنة الأوطان، ومن الدفاع عن الشعوب إلى المتاجرة بآلامها، فإننا لا نكون أمام معارضة سياسية مسؤولة، وإنما أمام شعبوية إعلامية تتغذى على الاستقطاب وتعيش على الأزمات وآلام الشعوب .
وهذا هو السؤال الذي يفرض نفسه اليوم أمام خطاب معتز مطر ، وعبد الله الشريف وصالح الأزرق، خصوصًا في الطريقة التي تناولوا بها المغرب وأحداث سبتة الأخيرة. فليس من حق أحد أن يمنعهم من انتقاد المغرب، كما أن من حقهم أن يعارضوا سياساته، لكن من حق المغاربة أيضا أن يسألوا: أين تنتهي حرية التعبير وتبدأ صناعة التضليل والتحريض؟ وأين ينتهي النقد السياسي ويبدأ تحويل الوطن إلى مادة للسخرية والتشهير؟ .
المشكلة ليست في المعارضة، وإنما في أخلاق المعارضة. وليست في النقد، وإنما في أدواته، فالصحفي الموضوعي لا يحتاج إلى لغة الشعوذة والدجل لكي يقنع، ولا إلى الأوصاف الجارحة البئيسة لكي ينتصر، ولا إلى الإثارة لكي يصنع الحقيقة. أما حين تصبح السخرية سلاحا، والتخوين منهجا، والتعميم قاعدة، والانفعال بديلا عن الوثيقة، فإننا أمام خطاب اخواني شعبوي بئيس يريد تعبئة الجمهور أكثر مما يريد إقناعه .
لقد ظهر ذلك بوضوح عند هؤلاء الأبواق الإخوانية الثلاثة في التعامل مع أحداث سبتة؛ إذ جرى تقديم قضية معقدة ذات أبعاد سياسية وأمنية واجتماعية ودولية في صورة رواية جاهزة، ثم بُنيت عليها أحكام واسعة ضد المغرب دولة ومؤسسات . وهنا تسقط أول قاعدة من قواعد الإعلام: لا يجوز أن تسبق الأحكامُ الحقائقَ .
فالذي يريد أن ينتقد المغرب عليه أن يعرض الوقائع، ويقدم مصادره، ويفرق بين الخبر والرأي، وبين المسؤولية الفردية والمسؤولية الجماعية، وبين نقد سياسة معينة والطعن في دولة وملك وشعب بأكمله .
والأخطر من ذلك هو الخلفية الأيديولوجية التي يتحرك داخلها جزء من هذا الخطاب. فقد أصبحت لندن، خلال السنوات الماضية، فضاءً مهمًا لعدد من المنصات الإعلامية المعارضة المرتبطة بتيار الإخوان المسلمين، ومن بينها منصات ارتبط اسم معتز مطر وصالح الأزرق وعبد الله الشريف وغيرهم . علما أن الخطورة الحقيقية ليست في الاسم التنظيمي وحده، وإنما في العقلية التي تجعل كل أزمة عربية فرصة لتعبئة الشارع، وكل معاناة شعبية وقودا للصراع السياسي، وكل خلاف مع دولة مناسبة لإعادة إنتاج خطاب الكراهية والاستقطاب .
وهنا تتجلى إحدى أخطر مشكلات الخطاب الإخواني والشعبوي معًا: احتكار تمثيل الشعوب.
فهم يتحدثون باسم الشعب المصري، والمغربي، والتونسي، والليبي، والفلسطيني، والسعودي والإماراتي والكويتي واللبناني ..وكأن الملايين قد فوضوهم للحديث باسمهم. ومن يخالفهم يصبح جاهلا أو خائنا أو عميلًا أو مستفيدا . وهذه ليست ديمقراطية؛ لأن أول قاعدة للديمقراطية هي الاعتراف بأن المجتمع متعدد، وأن الحقيقة لا يحتكرها حزب ولا جماعة ولا شيخ ولا إعلامي .
وإذا كانوا يؤمنون فعلًا بالديمقراطية، فعليهم أن يتعلموا أن المواطن الذي يدافع عن وطنه ليس بالضرورة تابعا للسلطة، وأن المواطن الذي ينتقد حكومته ليس بالضرورة إخوانيا، وأن المغربي الذي يرفض الإساءة إلى بلده لا يحتاج إلى شهادة في الديمقراطية من الإخوان المسلمين .
أما فلسطين، التي تحضر باستمرار في خطاب هذه التيارات المؤدلجة، فيجب أن تُخرج من سوق المزايدات السياسية، ففلسطين ليست ملكا لجماعة لجماعة الإخوان، ولا لحماس، ولا لأي حزب أو قناة أو جماعة. فلسطين قضية شعب وأرض وحقوق وتاريخ، ويحرم الاتجار بآلام شعبها المنكوب. والمفارقة أن القضية الفلسطينية، بدل أن تكون مجالًا لتوحيد الأمة حول نصرة المظلوم، تحولت عند جماعة الإخوان المسلمين إلى أداة لتخوين الخصوم وتسجيل النقاط عليهم. وكلما وقعت مأساة جديدة، ارتفعت أصوات المزايدة بدل أن ترتفع أصوات الحكمة والمسؤولية.
إن استثمار معاناة الشعوب في صناعة المحتوى السياسي قد يكون مربحًا من حيث المشاهدات، لكنه كارثي من حيث الوعي. فالشاب العربي الذي يتابع يوميا خطابا يقوم على السخرية والتخوين والتحريض قد يخرج بانطباع أن السياسة ليست مشروعا لبناء المجتمع، وإنما معركة مفتوحة لإسقاط الخصوم والحكومات والدول، وهذا هو الخطر الحقيقي. لأن الأمة لا تتقدم بالصراخ، ولا تبني دولها بالشتائم، ولا تعالج الفقر بالتحريض، ولا تحل مشكلات الشباب بتحويلهم إلى جمهور غاضب.
المعارضة الحقيقية تقترح، والإعلام الحقيقي يتحقق، والمفكر الحقيقي يحلل، والداعية الحقيقي يجمع ولا يفرق . أما تحويل كل شيء إلى معركة أيديولوجية، فليس إصلاحا؛ إنه إعادة إنتاج للأزمة.
ولذلك فإن الرد على هؤلاء الأبواق الثلاثة لا ينبغي أن يكون بالانفعال نفسه الذي يمارسونه. فنحن لا نحتاج إلى أبواق مغربية ترد على أبواق لندن، فالمغرب كسائر البلاد العربية ليس دولة بلا أخطاء، لكنه أيضًا ليس دولة بلا إنجازات. وأن من حق المغاربة مساءلة مؤسساتهم وإصلاح اختلالاتهم، كما أن من حقهم رفض أن يتحول وطنهم إلى مادة للتهريج السياسي من قبل جماعات مؤدلجة هاربة من أوطانها، فالنقد مرحب به عندما يكون نقدا ، أما حين يتحول إلى تشهير وتعميم وتحريض فهو يفقد قيمته الأخلاقية والسياسية. فالإقامة في لندن أو باريس أو إسطنبول أو الدوحة لا تمنح أحدا حق الوصاية على الشعوب العربية، كما أن العيش خارج الوطن لا يجعل صاحبه أكثر وطنية من ملايين المواطنين الذين يعيشون داخله ويتحملون أعباءه اليومية.
لقد آن الأوان لأن نضع حدًا لهذه الوصاية الإعلامية العابرة للحدود من قبل التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وأن نقول لهم وبوضوح تام: الشعوب العربية ليست قطيعا سياسيا ينتظر من يحركه من خلف الشاشات والغرف المظلمة..إنها شعوب لها عقول وتجارب وذاكرة ومصالح، وقد أصبحت أكثر قدرة على التمييز بين الإعلام الذي يريد أن يخدمها والإعلام الذي يريد أن يستثمر في غضبها وآلامها .
إن الذي يمتلك الحجة لا يحتاج إلى الشتيمة، والذي يمتلك الوثيقة لا يحتاج إلى الإشاعة، والذي يمتلك مشروعا حقيقيا لا يحتاج إلى التحريض . أما من يعيش على الغضب والإثارة، فإنه يحتاج دائمًا إلى عدو، ومن هنا يمكن فهم ظاهرة أبواق لندن: ليست قوتها في امتلاك الحقيقة، وإنما في قدرتها على صناعة الانفعال. لكن الانفعال ليس وعيا، والضجيج ليس حجة، وكثرة المشاهدات ليست شهادة على الصدق، فالأوطان أكبر من برامج السخرية، والشعوب أكبر من أبواق التحريض، وفلسطين أكبر من المتاجرة السياسية، والإسلام أكبر من أن يتحول إلى مشروع حزبي، والحقيقة أكبر من أن تُختزل في مقطع فيديو أو تغريدة غاضبة من إخواني مفلس، أو لاجئ متسكع في شوارع لندن .






