سياسة واقتصاد

رسالة مفتوحة إلى اليسار الإسباني

لحسن لعسيبي (كاتب صحفي)

كان الزعيم اليساري الفرنسي جون جوريس سنة 1911 ينادي دوما أنه لا تجب التضحية بالمغرب على مذبح السلام بين القوى الأروبية، وأنه غير مقبول أن يتم التوافق بين ألمانيا وفرنسا وإسبانيا على جثة المغاربة بشمال إفريقيا..

هل تغير شيء اليوم في سماء السياسة بأروبا وإسبانيا تجاه المغرب؟

يخشى أنه لا تزال ذات الثقافة السياسية المتعالية للشمال هي الغالبة للأسف.. لأنه كيف يستقيم أن يلتقي حزبان من أقصى اليمين (فوكس) ومن أقصى اليسار (سومار وبوديموس) في نفس الموقف ضد المغرب عبر مبادرتهم لطرح مشروع قرار يطالب الحكومة الإسبانية بإقصاء المغرب من تنظيم نهائيات كأس العالم 2030 والإبقاء فقط على ملف مشترك بين مدريد ولشبونة.

هل هو مهم للمغرب تنظيم نهائيات كأس العالم بشكل مشترك مع البلدين؟..

نعم ولا..

نعم، لأنه رسالة حضارية من قلب مضيق جبل طارق (سرة العالم القديمة) بين قارتي أروبا وإفريقيا وبين حضارتين مسيحية غربية وإسلامية عربية وأمازيغية.. مثلما أنه فرصة لتجسير التواصل مجتمعيا بين شبيبة القارتين معا في محفل رياضي احتفالي وتنافسي رفيع مماثل..

لا أيضا، لأنه لا معنى لتنظيم نهائيات كأس عالم بدون احترام كرامة المغاربة أو بمنطق الوصاية والتعالي الموروث عن مملكة قشتالة..

إن لليسار الإسباني عقدة استعمارية عميقة مع المغرب والمغاربة، لأنهم البلد والشعب الوحيد الذي ألحق هزيمة غير مسبوقة بالجيش الإسباني في ملحمة أنوال صيف 1921.. لأن الجنوبي المتخلف في نظر النخبة اليسارية الإسبانية قد انتصر على المتحضر الشمالي الذي جاء بخلفية ما يعتبره رسالة حضارية ليخرجه من الظلمات إلى النور، بينما الحقيقة أن الإستعمار الفرنسي والإسباني مارسا فقط كل أشكال العنصرية والظلم والإبادة ضد المغاربة..

كنا ننتظر أن تعتذر مدريد وأن يعتذر اليسار الإسباني الذي في عهد حكومات إسبانيا الليبرالية سواء الجمهورية منها أو الإشتراكية ما بين 1922 و1926، تم قصف شمال المغرب بالأسلحة الكيماوية الممنوعة والمحرمة دوليا (غاز الخردل)، بكل المآسي الإنسانية والكارثة البيئية والصحية التي تولدت عنها لأكثر من 70 سنة، الأمر الذي يصنف ضمن خانة الجرائم ضد الإنسانية..

إن تراب شمال المغرب لا تزال به آثار تلك الغازات السامة التي تعتبر واحدة من أهم الأسباب للفقر الفلاحي بالمنطقة، مثلما ظلت لسنوات آثارها في عيون وصدور الأطفال والأمهات والآباء بكل ما تسببت فيه من أنواع من أمراض السرطان التي جعلت شمال المغرب يحتل لسنوات المرتبة الأولى في تلك الأمراض الفتاكة. فقط لأن جريمة المغاربة الأحرار أنهم دافعوا عن حرية بلدهم في تلك الملحمة الخالدة التي قادها محمد بن عبد الكريم الخطابي..

واضح أيضا أن ذاكرة اليسار الإسباني (بنزوعه الجمهورية التاريخية) قصيرة، حين ينسى كيف حمى المغاربة والمغرب واحتضن المهجرين الإسبان من الجمهوريين أثناء الحرب الأهلية الإسبانية وبعدها هربا من انتقام نظام الجنرال فرانكو. لقد احتضنت أحياء بكاملها تلك الجالية الإسبانية الكبيرة (نموذج حي المعاريف بالدار البيضاء) ومنحتها الأمان دون أي نزوع إقصائية..

إن اليسار الإسباني يحتاج جديا للحظة محاسبة مع ضميره ومع رزنامة مبادئه التي تصبح تحكمية وظالمة ومتعجرفة حين يكون الضحية المثالية هو الجنوبي المغربي..

نعم لنا أعطابنا السياسية وأخطاؤنا التدبيرية وفينا ما يكفي من العيوب التنظيمية، لكننا لسنا ظالمين حتى يتطاول علينا يسار الكافيار الجديد بمدريد المتحالف (يا لمكر الأمور) مع اليمين المتطرف ببلاده حين تكون الرأس مغربية..

نحن أشرف من خطابكم المزدوج، لأننا نقف عند ضفة الحق وأننا أصحاب معركة عادلة بكل المرجعيات الحقوقية والقانونية الدولية.. نحن حفدة أبطال أنوال بالشمال والدشيرة بالصحراء الجنوبية، نصدر عن وطنية راسخة وعن صلابة في الحق والمبدأ ولسنا تجار مناسبات في محفل السياسة.. سبتة ومليلية والجزر المتوسطية أراض مغربية كانت وستبقى، ومعركتنا من أجل الكرامة لا محيد عنها..

ليس شرطا أن أقول إنني ابن مدرسة اليسار الوطني التقدمي المغربي، لأن الأسمى هو أنني مغربي وأن سقفنا الوطني الجمعي هو الأعلى في الدولة وفي المجتمع.. 

نحن لن نفرط في بلدنا ومؤسساته حين تكون العجرفة السياسية آتية من ضفاف منطق التحكم والعنصرية والتعالي.. أما غسيلنا الداخلي فنحن أدرى به وأقدر عليه بعيدا عن وصايتكم وتعاليكم..