شاهدت عبد الله بوانو في ظهوره الأخير مع الزميل يوسف بلحيسي، وفكرت في سؤال يتجاوز الرجل وحزبه: ما الذي نطلبه من السياسي ؟ و لماذا نصوت عليه؟؟
أعتقد أن هذا السؤال أصبح ضروريا، خصوصا في لحظة يشتد فيها الهجوم على عبد الإله بنكيران والعدالة والتنمية. فمن حق أي مواطن أن ينتقد الحزب، وأن يحاسب تجربته، وأن يختلف مع مواقفه. لكن هل ينبغي أن يتحول الخلاف مع الحزب إلى معيار للحكم على كل سياسي ينتمي إليه؟..هنا تحديدا استوقفني بوانو.
لو لم يكن من العدالة والتنمية، وظل يمارس العمل السياسي بالجدية نفسها، والحضور نفسه، والاشتغال نفسه على الملفات، هل كنا سنقرأ تجربته بالطريقة ذاتها؟
أطرح السؤال لأن السياسة لا ينبغي أن تُدار بمنطق الولاء الحزبي وحده. الانتماء الحزبي يحدد موقع السياسي داخل الخريطة السياسية، لكنه لا يحدد وحده قيمته في الحياة العامة.
ما يهمني في السياسي، قبل كل شيء، هو ماذا يفعل بالموقع الذي منحه له الناخبون.
هل يمارس وظيفته التمثيلية؟
هل يراقب الحكومة؟
هل يساهم في التشريع؟
هل يشتغل على قضايا المواطنين؟
هل يمتلك القدرة على بناء موقف سياسي مستقل، حتى عندما يكون ذلك مكلفا لحزبه؟..هذه، في تقديري هي الأولويات.
و عبر هذه العدسة أرى أن بوانو جدير بالنقاش، لا لأنه من العدالة والتنمية، وإنما لأن تجربته تطرح سؤالا حول الفارق بين السياسي الذي يملك انتماء حزبيا والسياسي الذي يملك وظيفة سياسية يؤديها.
المشكلة أننا لا نطبق دائما المعيار نفسه.
قد ندافع عن سياسي لأننا نميل إلى حزبه، حتى عندما تكون هناك أسئلة جدية حول أدائه، وقد نهاجم سياسيا آخر لأننا نختلف مع حزبه، حتى عندما يكون أداؤه جديرا بالتقدير..وهنا تفقد المحاسبة السياسية معناها.
فالسياسي لا ينبغي أن يحصل على صك براءة من حزبه، كما لا ينبغي أن يُدان بسبب حزبه...المعيار هو الأداء.
يمكنني أن أختلف مع بنكيران، وأن أنتقد العدالة والتنمية، وأن أختلف مع بوانو في مواقف سياسية، ثم أقول في الوقت نفسه إنني أرى في الرجل برلمانيا مجتهدا وحاضرا، وهذه شهادة لا علاقة لها بموقفي من حزبه..بل أعتقد أن الاعتراف بهذه الحقيقة جزء من استقلال الرأي.
فالسياسة الديمقراطية لا تقوم على أن نناصر «جماعتنا» في كل الأحوال، وإنما على أن نميز بين الحزب والدولة، وبين الخصومة السياسية والمصلحة العامة، وبين الولاء الحزبي والمسؤولية العمومية.
وإذا كنا نريد فعلا الارتقاء بالنقاش السياسي، فعلينا أن نتوقف عن سؤال السياسي أولا: «من أي حزب أنت؟»، وأن نسأله: «ماذا فعلت بالموقع الذي ائتمنك عليه المواطن؟»
عندها فقط يصبح من الممكن أن نحاسب السياسي الذي نؤيده، وأن ننصف السياسي الذي نختلف معه.
وربما يكون هذا هو الدرس الذي تركه لي ظهور بوانو مع بلحيسي: ليس المطلوب من السياسي أن يكون من «جماعتنا»، وإنما أن يكون في خدمة المصلحة العامة.
أما أن نغفر للسياسي لأنه منا، ونحارب آخر لأنه ليس منا، فذلك لا ينتج سياسة.
ينتج اصطفافا..
والفرق بينهما هو بالضبط الفرق بين الممارسة الديمقراطية والعصبية الحزبية..






