مجتمع وحوداث

عندما تتحول العطلة إلى كابوس... شهادة من داخل فندق زفير مراكش

محمد الناصري (رجل تعليم من الناظور)

كان من المفترض أن تكون أياما للراحة، فسحة قصيرة نهرب فيها من تعب السنة وضغط العمل، ونستعيد شيئًا من هدوء النفس بين جدران فندق يفترض أنه يحمل اسمًا يوحي بالرفاهية. حجزنا في فندق زفير مراكش، وحملنا حقائبنا وآمالنا، ونحن نعتقد أننا مقبلون على تجربة جميلة ستبقى في الذاكرة. لكننا لم نكن نعلم أن ما سيبقى في الذاكرة هو شيء آخر تماما.

وصلنا إلى الفندق يوم الاثنين 3 غشت حوالي الساعة الواحدة بعد الزوال، والابتسامة لا تفارق وجوهنا. أنهينا إجراءات التسجيل من خلال تقديم الوثائق الضرورية وملئ مطبوع الحجز، ثم قيل لنا: "انتظروا قليلاً". تحولت الدقائق إلى ساعات، والساعات إلى نصف يوم كامل، حتى لم نتسلم الشقة من نوع F2 إلا في حدود الخامسة مساءً. أربع ساعات كاملة من الانتظار، دون اعتذار مقنع أو اهتمام بمن أنهكتهم حرارة الصيف وعناء السفر.

وأثناء الانتظار، لم يكن المشهد يوحي بأننا داخل مؤسسة سياحية، بل كان أقرب إلى محطة للحافلات في ذروة الازدحام. عشرات العائلات تفترش جنبات الفندق، حقائب متناثرة في كل مكان، أطفال أنهكهم الحر والتعب، وشيوخ ممددون فوق الأرائك ينتظرون دورهم في صمت ثقيل، بينما يخيم على المكان شعور بالفوضى والعشوائية لا يليق بمؤسسة تستقبل المصطافين.

أما موظفو الاستقبال، فقد كانوا يزيدون المشهد قتامة. وجوه متجهمة، ونظرات باردة، وتعامل يخلو من أبسط قواعد الترحيب واللباقة، حتى ليخال إليك أنك تطلب منهم خدمة مجانية، لا أنك دفعت مسبقا ثمن الإقامة. كان يكفي سؤال بسيط حتى تشعر بأنك تزعجهم.

وحين اعتقدنا أن المعاناة انتهت أخيرا بعد تسلم الشقة رقم 1218 الطابق الثاني، فوجئنا بما هو أسوأ. ما إن فتحنا الباب حتى باغتتنا رائحة خانقة، خليط غريب بين روائح الطبخ القديمة والراسخة في جدران الشقة، وبعض المعطرات الرخيصة التي زادت المكان اختناقا بدل أن تخفي الروائح الكريهة. لم يكن بالإمكان الجلوس داخل الشقة، فعدنا إلى الاستقبال لنبلغهم بالمشكل، فوعدونا بإرسال عاملة النظافة فورا.

انتظرنا... ساعة... ثم ساعتين كاملتين، قبل أن تصل. وبعد أن التحقت بالغرفة، لم تجد حلا سوى إشعال عود من معطر..عود القماري.. الذي كان بحوزتها، فقلت مازحًا وأنا أحاول التخفيف من الموقف: "هذا هو الجهد الحقيقي الذي أنقذ الشقة، وليس ما قامت به المؤسسة."

وقيل لنا كذلك إن خدمة التنظيف تتم كل يومين. مرت أربعة أيام... ولم تمر عاملة النظافة ولو مرة واحدة، رغم اتصالاتنا المتكررة بالإدارة، وكأن الوعود التي تُمنح للنزلاء تنتهي صلاحيتها بمجرد استلام مفاتيح الغرف.

ولم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد. فقد كنا نعاني بشكل يومي من انقطاع الماء، مرات عديدة، ولساعات طويلة، مما اضطرنا في أكثر من مناسبة إلى تأجيل الاستحمام حتى ساعات متأخرة من الليل، في وقت كان يفترض أن تكون فيه الإقامة عنوانا للراحة لا للإرهاق.

لكن كل ما سبق كان مجرد مقدمة لما سيصبح أسوأ ذكرى في هذه الرحلة.

في اليوم الموالي، وبينما كنا قرب المسبح، اختفى هاتف زوجتي. لم يكن الأمر مجرد فقدان جهاز إلكتروني، وإنما كان يحمل صورا وذكريات وبيانات شخصية لا تعوض. سارعنا إلى إدارة الفندق، معتقدين أنهم سيسارعون إلى مساعدتنا، خصوصا أن المكان يفترض أنه مراقب بالكاميرات.

غير أن الصدمة كانت في الرد البارد الذي تلقيناه: "نحن غير مسؤولين عن ضياع حاجياتكم." ثم رفضوا تمكيننا من الاطلاع على تسجيلات الكاميرات، وطالبونا بالتوجه إلى الشرطة وتحرير محضر رسمي.

لم يكن أمامنا خيار آخر. غادرنا الفندق نحو أقرب دائرة للشرطة بمنطقة "العزوزية – المقاطعة 24"، حيث حررنا محضرا بالواقعة، ورافقنا رجال الأمن إلى الفندق من أجل معاينة كاميرات المراقبة.

وهناك كانت المفاجأة الكبرى.

المسبح، الذي يرتاده عشرات الأشخاص يوميا، لا تغطيه إلا كاميرتان فقط، وبجودة متواضعة جدا، لم تستطيعا بعد تكبير الصورة (الزوم) تقديم أي دليل حاسم. ظهرت في التسجيلات مجموعة من الغرباء كانوا قريبين من مكان الحادث، وأثار شخصان منهم الشكوك، لكن عندما طلب رجال الأمن من إدارة الفندق التعرف على هويتهما، كانت الصدمة الثانية.

لا وجود لأي معلومات عنهما.

ببساطة، يدخل بعض مرتادي المسبح ويخرجون دون أن يدلوا بأي وثيقة تعريف أو تسجيل لدى الاستقبال. لا أسماء، ولا بطاقات هوية، ولا بيانات يمكن الرجوع إليها. أي شخص يمكنه الولوج إلى فضاءات الفندق ثم المغادرة دون أن يترك أي أثر.

وهنا لم يعد الأمر يتعلق بسرقة هاتف فقط، بل بمسألة أمن وسلامة جميع النزلاء. فالفندق يستقبل أسرًا كاملة، من بينها عدد كبير من أسرة التعليم، يصطحبون أطفالهم الصغار ويحملون مقتنياتهم الشخصية وأشياء ثمينة، ومع ذلك تبقى مداخل الفندق ومرافقه مفتوحة أمام الغرباء، في غياب واضح لأي إجراءات أمنية صارمة، وهو أمر يبعث على القلق ويطرح أكثر من علامة استفهام.

ولأننا كنا نؤمن بأن لكل مؤسسة جهة مسؤولة تستمع إلى شكاوى زبنائها، حاولنا الاتصال بالرقم الأخضر المخصص لتلقي التظلمات. اتصلت مرة... ثم مرتين... ثم مرات عديدة. لكن الهاتف ظل يرن دون أن يجيب أحد، وكأن الشكاوى نفسها لا تجد من يستمع إليها.

غادرنا الفندق في نهاية الإقامة، لكننا لم نحمل معنا ذكريات جميلة عن مدينة مراكش التي نعشقها، بل حملنا إحساسا بالخذلان. فالراحة التي بحثنا عنها تحولت إلى سلسلة من المواقف المرهقة: انتظار طويل، خدمات غائبة، روائح لا تطاق، انقطاع للماء، فقدان لهاتف، غياب للكاميرات الفعالة، وتراخٍ أمني يهدد سلامة النزلاء.

لم تكن هذه مجرد عطلة سيئة، وإنما تجربة أرجو ألا يعيشها أي شخص آخر، لأن السياحة لا تُبنى على المباني الجميلة وحدها، بل على الاحترام، والأمان، وجودة الخدمة، وهي أمور افتقدناها للأسف في هذه التجربة.

اربعة أيام مرهقة لا أرجوها لغيري...