ثمة مشاهد سياسية لا تحتاج إلى كاتب ساخر.. لأن الواقع هذه المرة قرر أن يتولى مهمة السخرية بنفسه، وأن يثبت لنا أن السياسة قادرة على أن تكون أكثر طرافة من الكوميديا، وأكثر تناقضاً من رواية سيئة الحبكة.
ومن أطرف ما نعيشه هذه الأيام.. أن الأغلبية التي قضت سنوات وهي تحكم، وتدبر، وتجتمع كل خميس، وتحدثنا طويلاً عن الانسجام الحكومي، اكتشفت فجأة، مع اقتراب الانتخابات، أنها كانت تمارس هواية سرية اسمها المعارضة.. يا لها من موهبة سياسية متأخرة، ويا لها من ذاكرة انتخابية قصيرة.
فالأمر في الحقيقة ليس معارضة بالمعنى الذي يؤطره الدستور.. بل هو شيء أقرب إلى عملية فضح متبادل لممارسات كانت هذه الأحزاب نفسها جزءاً من بنائها، وجزءاً من صياغة قوانينها، وجزءاً من الحكومة التي دافعت عنها بالأمس بكل ما أوتيت من حماس.
ومنذ أن أطلق الأمين العام لحزب الاستقلال، في لحظة حماس انتخابي من حد أولاد افرج، مصطلح «الفراقشية».. ونحن ننتظر، بكل فضول المواطن الذي دفع ثمن تذكرة العرض، أن يدلنا أحد على هؤلاء الكائنات الغامضة التي تشبه الجن.. لا نراها، لكننا نسمع عن الأموال التي أخذتها، عفواً، التي نهبتها، حتى أصبح للفراقشي حضور أقوى من بعض المرشحين أنفسهم.
ثم جاء تصريح أمين عام حزب مشارك في الأغلبية ليزيد الحكاية إثارة.. فإذا كانت هناك أموال نُهبت، وإذا كان هناك فراقشية بهذا الحجم، فإن السؤال البسيط الذي يفسد علينا جمال الخطاب الانتخابي هو.. أين كانت الحكومة حين كان كل هذا يحدث.
كنا ننتظر لجنة تقصي.. أو تحقيقاً.. أو موقفاً سياسياً يليق بخطورة الكلام.. لكن لا شيء من ذلك حدث، فعاد الجميع إلى كراسي الحكومة، وكأن القضية لم تكن نهباً للمال العام وإنما مجرد نكتة انتخابية ثقيلة الظل.. نضحك منها صباحاً، ثم نجلس مع أبطالها حول طاولة الحكومة مساءً.
وهنا يصبح المشهد أكثر سوريالية.. فكيف يمكن أن يكون خصمك فاسداً إلى هذا الحد في المنصة، ثم يصبح شريكك في تدبير الحكومة حين تنطفئ مكبرات الصوت.. وكيف يمكن أن يكون من تتهمه بنهب البلاد جديراً بأن تجلس إلى جانبه لتدير شؤونها.
اليوم، وفي ظل حملات انتخابية متشابهة شكلاً في الرقص والطبل والغناء، ومتشابهة مضموناً في تدني الخطاب السياسي.. أصبحنا أمام شيء أخطر من المزايدات الانتخابية، وهو تبادل اتهامات لا تبدو كأنها صادرة عن خصوم سياسيين، بل عن شركاء سابقين اكتشفوا فجأة أن بعضهم كان يسرق في الغرفة نفسها التي كانوا يجتمعون فيها.
والأمر لا يتعلق باتهامات عابرة يمكن أن تذوب مع انتهاء المهرجان الانتخابي.. فبعض ما نسمعه يتحدث عن أفعال خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى جرائم قد يترتب عليها أثر جنائي بالغ، بل إن الحديث عن التسميم مثلاً ليس مجرد استعارة شعرية تصلح للمنصات.. فالقانون لا يتعامل مع مثل هذه الأفعال باعتبارها استعارة أدبية.
بل إن حماس بعض الحملات بلغ درجة اتهام حزب بتفصيل قوانين على مقاس شركات.. ومنح صفقات للمقربين، وكأن القوانين أصبحت بدلات تُفصل في محلات الخياطة السياسية، وكأن دفتر الصفقات صار ألبوم صور عائلياً توزع صفحاته على الأقارب والأصدقاء.
نفهم أن الحملات الانتخابية تقوم على البحث عن نقاط ضعف الخصم.. نفهم أن السياسة ليست حفلاً لجمع الورود، وأن المرشح يريد أن يقول للناخب إن منافسه أخطأ وفشل وقصر.. لكن أن يتحول الأمر إلى اتهامات بهذا الحجم، فهنا ينبغي أن نتوقف قليلاً، لا لنصفق للمتحدث، وإنما لنسأل.. هل نحن أمام حملة انتخابية أم أمام ملفات كان مكانها المؤسسات المختصة.
الأحزاب التي تطارد بعضها البعض اليوم كانت بالأمس في الحكومة نفسها.. كانت تجتمع، وتلتقي، وتتفاوض، وتتحدث عن الانسجام الحكومي، وتقدم لنا صورة فريق واحد متماسك، حتى كدنا نصدق أن الاختلافات قد انقرضت من الحياة السياسية المغربية.
فماذا حدث إذن.. هل الانتخابات تمتلك هذه القدرة السحرية على تحويل الشريك إلى خصم، والوزير إلى معارض، والإنجاز الحكومي إلى خطيئة، والخطيئة إلى شعار انتخابي.. أم أن المقاعد الانتخابية تملك خاصية غريبة تجعل الذاكرة السياسية تتبخر كلما اقترب موعد الاقتراع.
ألم يسمع هؤلاء في الحكومة عن شيء اسمه تقاسم المسؤولية.. عن ذلك الإرث السياسي الذي لا يمكن تقسيمه بطريقة الكعكة الانتخابية، بحيث يأخذ كل طرف الإنجازات التي تعجبه، ويترك الإخفاقات للطرف الذي يجلس في الصف المقابل.
لا يمكن أن تكون شريكاً في الحكومة عندما تكون الصورة جميلة.. ثم تتحول إلى معارض عندما تبدأ الكاميرات في العمل، وكأن المسؤولية الحكومية عقد إيجار ينتهي عند أول ملصق انتخابي.
الوطن فوق كل المزايدات.. وقضاياه الاستراتيجية أكبر من أن تتحول إلى ذخيرة في معركة انتخابية قصيرة العمر، تنتهي بانتهاء الحملة، بينما تبقى آثار الكلام طويلاً في ذاكرة الناس.
والمشاريع التي أطلقها جلالة الملك ملك لكل المغاربة.. وهي فوق الحسابات الحزبية الضيقة، ولا ينبغي أن تتحول إلى شهادة حسن سلوك لهذا الحزب أو ذاك، ثم إلى ورقة اتهام عندما تتغير مواقع الجلوس.
ومن مضحكات هذه الحملات التي تخوضها أحزاب الأغلبية.. أن بعض مناضليها، عفواً، زبناءها الانتخابيين، ما زالوا يستعملون شعارات تعود إلى سنوات خلت.. «يا فلان ارتاح.. ارتاح.. سنواصل الكفاح».
أي كفاح يقصدون.. كفاح الوطن، أم كفاح المواطن، أم كفاح الوصول إلى المقعد الذي يجعل صاحبه يكتشف فجأة أن الديمقراطية أجمل كثيراً من مقاعد المعارضة.
لقد ولى زمن كان فيه النضال يعني شيئاً.. وكان السياسي يخشى على اسمه في التاريخ أكثر مما يخشى على ترتيبه في اللائحة، وكانت للأحزاب مدارس سياسية، وللزعماء مواقف، وللكلمة ثمن، وللخلاف معنى.
رحم الله عبد الرحيم بوعبيد، وعلي يعته، وأيت يدر، وبوستة، وغيرهم كثير.. أيام كان هناك رجال دولة، وخطاب سياسي يحمل من المعنى أكثر مما تحمل بعض الخطب اليوم من مكبرات الصوت.
كان هناك مناضلون يختلفون لأن لهم أفكاراً.. أما اليوم، فكثيرون يختلفون لأن لهم مقاعد مختلفة.
الآن يتبادلون الاتهامات.. يتحدثون عن المسروقات، لكننا لا نعرف السارق، ويتحدثون عن الفراقشية، لكنهم يشاركونهم مقاعد الحكومة والبرلمان، وكأن الفراقشي نفسه حصل على بطاقة انخراط، ومقعد، وربما مستقبلاً على صورة انتخابية جميلة.
إن كان الفراقشية بهذا الحجم الذي تصفونه.. فلماذا لم تطردوهم من الحكومة.. ولماذا لم تكشفوا أسماءهم.. ولماذا لم تسلكوا الطرق القانونية.
أم أن الفراقشي لا يظهر إلا في موسم الانتخابات.. مثل بعض الوجوه التي لا تتذكر المواطن إلا حين تحتاج إلى صوته.
فرجاءً.. إذا كانت لديكم كل هذه الغيرة على الوطن والمواطن، وكل هذه الملفات وكل هذه المعلومات، فاسلكوا الطرق القانونية.. قدموا الأدلة، واتركوا للمؤسسات أن تقوم بعملها، لأن الاتهام على منصة انتخابية لا يصبح حقيقة لمجرد أن مكبر الصوت كان عالياً.
أما إذا لم يكن لديكم سوى الصياح وتبادل الاتهامات.. فكفوا عن تحويل الانتخابات إلى محكمة بلا قاضٍ، وإلى تحقيق بلا محقق، وإلى جريمة بلا متهم، وإلى فراقشية بلا فراقشي.
ففي النهاية.. نحن لا نعيش موت السياسة فقط، وأنتم لا تدفنون الجثة.. أنتم تتشاجرون فوق قبرها، كل واحد منكم يريد أن يثبت للآخر أنه كان آخر من رآها حية.
وكل انتخابات والفراقشية بخير.. وكل انتخابات وأنتم تبحثون عن الفرج.
أما نحن.. فما زلنا نبحث، منذ خطاب أولاد افرج، عن ذلك الفراقشي الذي خرج من الظل إلى الضوء، ثم اختفى من جديد.. وعن صاحب الصرخة الأولى، وعن اليد التي أشارت إليه، وعن الكرسي الذي ظل الجميع جالسين فوقه.
ولعل السؤال الأجمل في هذه الحكاية كلها.. ليس أين الفراقشية، بل أين كانت الحكومة حين كان الفراقشي حاضراً.






